مكافحة ختان الإناث في مصر.. من التوعية إلى إعادة التأهيل الشامل تجارب طبية وإنسانية بقيادة الخبراء د. رؤوف رشدي ود. دعاء صالح

مكافحة ختان الإناث في مصر.. من التوعية إلى إعادة التأهيل الشامل
تجارب طبية وإنسانية بقيادة الخبراء

على الرغم من حظر ختان الإناث في مصر منذ أكثر من عقد، وما رافقه من تعديلات قانونية وتعزيز للمساءلة في السنوات الأخيرة، لا تزال هذه الممارسة الضارة تمثل تحديًا صحيًا وثقافيًا حادًا، خاصة في بعض المناطق الريفية وصعيد مصر.
إزاء ذلك، تتصاعد جهود أطباء النساء والتوليد، بجانب أطباء التجميل النسائي والمتخصصين في الصحة النفسية، في بناء نموذج علاجي متكامل يستجيب لمتطلبات الضحايا من جميع الأبعاد: الجسدية، التناسلية، والنفسية.

الأبعاد الطبية: إعادة البناء والجراحة التصحيحية

توجيه الوقاية ضد ختان الإناث ليس كافياً؛ إذ تتطلب معالجة الأضرار، في حالات عديدة، تدخلاً جراحيًا متخصصًا.
تكمن أهمية طب التجميل النسائي في قدرته على إصلاح الضرر التشريحي الناتج من الختان — مثل إعادة بناء البظر أو فتح الفرج في حالات الإغلاق أو الختم، وإزالة الندوب، وتحسين الوظيفة التناسلية والولادية، مما يسهم بشكل كبير في تحسين نوعية حياة الناجيات واستعادة قدراتهن الجنسية والتناسلية.
هذه الإجراءات التصحيحية لا تعيد للبنى التشريحية وظيفتها فحسب، بل تتيح لبعض الضحايا تجاوز المشكلات الصحية المزمنة، مثل الألم المزمن، التهابات المجاري التناسلية، أو التعب خلال الجماع والولادة.

إضافة إلى ذلك، وجود خدمات طبية متخصصة في التجميل النسائي يقدم رسالة قوية للمجتمعات بأن هناك بدائل طبية وآمنة لعلاج ضحايا الختان، وأن المجتمع الطبي لا يشجّع أو يدعم هذه الممارسة، بل يعالج نتائجها، وبذلك يُقلل من ما يسمى بـ”الطبيّة” للختان (أي شرعيته حين يُمارس من قبل العاملين الصحيين).

الأبعاد النفسية والاجتماعية: لماذا لا يكفي التصحيح الجراحي وحده؟

الختان غالبًا ما يترك وراءه ندوبًا نفسية عميقة: من الصدمات النفسية واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) إلى القلق والاكتئاب، مرورًا بشعور العار والجسد المشوَّه، وصولًا إلى مشاكل في الثقة والجنس والعلاقات الزوجية.

من هنا يبرز منطق الرعاية المتكاملة: عندما تُجمع بين الترميم الجراحي والعلاج النفسي — سواء من خلال العلاج السلوكي المعرفي أو الجلسات النفسية الجماعية أو التأهيل العاطفي — يمكن للضحايا أن يحققن شفاءً أكثر شمولاً.
هذا النهج يزيد من فرص إعادة تمكين النساء نفسياً واجتماعيًا، ويخفف من العزلة والوصمة التي يعشنها.

إلى جانب العلاج النفسي، يجب أن تتضمن إعادة التأهيل اجتماعات في مجموعات دعم، وتدريبات للتوعية حول الصحة الجنسية، واستشارات للزواج والعلاقات، وتثقيفًا حول الحقوق التناسلية. من دون هذا البعد، فإن التصليح الجراحي يُخاطر بأن يكون مجرد “عملية تقنية” تخفي الألم النفسي المستمر.

دور الخبراء والمنظمات

د. دعاء صالح ومنظمة IAAUG

الدكتورة دعاء صالح، أستاذة النساء بجامعة الأزهر، تُعد من الباحثات والممارسات المصريات اللواتي أدركن مبكرًا أن التصدي لختان الإناث لا يقتصر على الخطابات التوعوية فحسب، بل يحتاج إلى تطوير مهارات طبية متخصصة لعلاج مضاعفاته، بالإضافة إلى تعزيز الوعي الأخلاقي والقانوني بين الأطباء.

من خلال تأسيس المنظمة الدولية للتجميل والتجديد النسائي وجراحة الأعصاب البولية (IAAUG)، عملت على وضع برامج تدريبية للكوادر الطبية في مصر والمنطقة، خصوصًا في مجالات Aesthetic Gynecology وUrogynecology، وربط هذه التدريبات بالمعايير الأخلاقية وأخلاقيات الممارسة الطبية، والتوعية بمخاطر الختان وآثاره النفسية.

إلى جانب ذلك، تُضفي IAAUG بعدًا أكاديميًا وعلميًا هامًا، إذ تنظم ورش عمل ومؤتمرات تجمع خبراء محليين ودوليين للتبادل العلمي، ومناقشة أحدث التقنيات في الإصلاح الترميمي والتجميل النسائي، مع التشديد على أهمية الرعاية النفسية للناجيات كجزء لا يتجزأ من أي خطة علاجية.

د. رؤوف رشدي

شارك لاحقًا د. رؤوف رشدي في جلسة حوارية ضمن فعاليات مؤتمر طبي ناقش ختان الإناث والتدخلات العلاجية والتوعوية، حيث قدم رؤية تجمع بين الممارسات النسائية الدقيقة وتقنيات الترميم، مع ضرورة إدماج البعد النفسي والاجتماعي في خطط إعادة تأهيل الضحايا.

وأوضح أن مقاومة “الطبيّة” للختان (أي رفض الأطباء لتنفيذ الختان أو التواطؤ معه) تُعدّ عنصرًا أساسيًا في تغيير المفاهيم العامة، وأن على الأطباء أن يكونوا نواة للتغيير الاجتماعي من خلال رفضهم إجراء أو دعم هذه الممارسة، والتزامهم بإرشاد الأسر ضدها، وكذلك تأهيل الضحايا بعدم الاقتصار على الإجراءات الجراحية بل متابعة نفسية حثيثة.

كما شدد على أن تبني نهج متعدد التخصصات — يجمع أطباء النساء والتوليد، جراحي التجميل النسائي، أخصائيي المسالك البولية، والأطباء النفسيين — هو السبيل الوحيد لنجاح إعادة الإدماج الجسدي والنفسي للناجيات، وتقليل المضاعفات طويلة الأمد من الناحيتين الصحية والنفسية.

ماذا نحتاج لكي نقضي على ذلك الإرث الضار؟
1. تعميق مفاهيم الأخلاقيات الطبية في مناهج تدريب أطباء النساء والتوليد والتجميل النسائي، بحيث يكون رفض ختان الإناث ومساندة ضحاياها جزءًا من التعليم المهني الأساسي.
2. إدراج برامج علاج نفسي وجسدي مشتركة في المراكز الصحية التي تتولى علاج ضحايا ختان الإناث، بحيث لا تُقدم العناية التجميلية وحدها دون دعم نفسي يعيد بناء الثقة بالنفس والهوية الجسدية والنفسية.
3. توسيع برامج التوعية التي تستهدف الأطباء كمكوّن رئيسي للتغيير، لأن الأطقم الصحية غالبًا ما تُعدّ مرجعًا لدى الأسر، وقد يؤثر رأي الطبيب بشكل محوري على خيارات الأسرة.
4. دعم منظمات مثل IAAUG لتوسيع نطاق تدريب الكوادر في مصر ودول الجوار، وضمان وجود استراتيجيات مراجعة ومتابعة تكون نساء ناجيات جزءًا من وضعها وتنفيذها.
5. رصد علمي مستمر من خلال دراسات ومتابعات طويلة الأمد لتقييم نتائج التدخلات الترميمية والنفسية، وقياس مدى تحوّل المفاهيم الاجتماعية تجاه ختان الإناث بمرور الزمن

شاهد أيضاً

أسامة شرشر يكتب: أتوقع ضربة عسكرية أمريكية لإيران إذا فشلت المفاوضات الحالية

أسامة شرشر يكتب: أتوقع ضربة عسكرية أمريكية لإيران إذا فشلت المفاوضات الحالية لا شك أن …