نهضة العلماء في قرنها الثاني… من خدمة المجتمع إلى الإسهام في صناعة الحضارة
حوار مع الشيخ الدكتور إشراق النجاح أحمد مصدوقي محفوظ
رئيس الهيئة التنفيذية لفرع جمعية نهضة العلماء بمدينة مالانج، جاوة الشرقية، إندونيسيا
إدارة الفترتين: 2017 – 2022، و2022 – 2027
تحتفل إندونيسيا بذكرى استقلالها في السابع عشر من أغسطس، وهي مناسبة وطنية تستحضر مسيرة شعب استطاع أن يبني دولة حديثة تجمع بين التنوع الثقافي والديني، وبين الهوية الوطنية والقيم الروحية. وفي قلب هذه التجربة برز دور المؤسسات الإسلامية التي أسهمت في بناء المجتمع، ومن أبرزها جمعية نهضة العلماء، التي تأسست عام 1926، وأصبحت اليوم واحدة من أكبر المنظمات الإسلامية في العالم.
على امتداد قرابة قرن، لم تقتصر مسيرة نهضة العلماء على الجانب الديني والتعليمي، بل امتدت إلى مجالات المجتمع والتنمية والحوار الحضاري، مقدمة نموذجًا إسلاميًا يقوم على الاعتدال، واحترام التنوع، والتفاعل مع قضايا العصر، مع الحفاظ على التراث الإسلامي والمرجعيات الفقهية المعتبرة.
وفي هذا السياق، أجرت وكالة ANG هذا الحوار مع الشيخ الدكتور إشراق النجاح أحمد مصدوقي محفوظ، رئيس الهيئة التنفيذية لفرع جمعية نهضة العلماء بمدينة مالانج، جاوة الشرقية، إندونيسيا، للوقوف على نشأة الجمعية ورسالتها وأهدافها، ودورها في المجتمع الإندونيسي، وعلاقتها بمسيرة الاستقلال وبناء الدولة، إلى جانب رؤيتها لمفهوم الإسلام الوسطي و«فقه الحضارة»، ودور المؤسسات الإسلامية في معالجة القضايا الإنسانية الكبرى، والعلاقات التاريخية بين إندونيسيا والعالم العربي، وخاصة مصر.

جمعية نهضة العلماء… النشأة والرسالة
في مستهل الحوار، وخلال طرح وكالة ANG سؤالًا حول طبيعة جمعية نهضة العلماء التي يجهل كثير من القراء العرب طبيعتها، ورسالتها، وأهدافها، ومكانتها في المجتمع الإندونيسي، أكد الشيخ الدكتور إشراق النجاح أن جمعية نهضة العلماء (Nahdlatul Ulama) تُعد أكبر منظمة إسلامية جماهيرية في إندونيسيا، ومن أكبر المنظمات الإسلامية في العالم.
وأوضح أن الجمعية تأسست عام 1926 على يد كوكبة من كبار العلماء، يتقدمهم الشيخ هاشم أشعري، استجابة للحاجة إلى صون التراث الإسلامي الوسطي، والحفاظ على مدارس الفقه السني، وتعزيز دور العلماء في خدمة المجتمع.
وأكد أن رسالة الجمعية، منذ تأسيسها، لم تقتصر على التعليم الديني والدعوة، بل اتسعت لتشمل بناء الإنسان وخدمة المجتمع في مختلف المجالات، موضحًا أنها تؤمن بأن الإسلام دين حضارة ورحمة، وأن رسالة العلماء لا تنحصر في المساجد أو المعاهد، وإنما تمتد إلى التعليم، والتنمية، والرعاية الصحية، والعمل الاجتماعي، والاقتصاد، وتعزيز الوحدة الوطنية.
وفي حديثه عن المنهج الذي ترتكز عليه نهضة العلماء، بيّن أنها تقوم على عقيدة أهل السنة والجماعة، وعلى الالتزام بالمذاهب الفقهية المعتبرة، مع اعتماد منهج الاعتدال والوسطية والتوازن والتسامح، وهي المبادئ التي جعلتها تحظى بثقة واسعة داخل المجتمع الإندونيسي، وتؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ التعايش بين مختلف مكونات الأمة.
وأضاف أن الجمعية تمتلك اليوم شبكة واسعة تضم آلاف المدارس والمعاهد الإسلامية (البسانترين Pesantren / Pondok)، والجامعات، والمستشفيات، والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي جعلها قوة مجتمعية تسهم بفاعلية في بناء الدولة وخدمة المواطنين.
وعندما انتقلت الوكالة إلى سؤال القيادة داخل هذه المؤسسة الكبيرة، وكيف تدار جمعية تضم ملايين الأعضاء، أوضح الشيخ الدكتور إشراق النجاح أن جمعية نهضة العلماء تدار وفق نظام مؤسسي راسخ يقوم على الشورى والعمل الجماعي، وهو ما مكنها من الحفاظ على استقرارها واستمرار رسالتها طوال قرابة قرن من الزمان.
وأشار إلى أن رئاسة الهيئة التنفيذية المركزية للجمعية (PBNU) يتولاها حاليًا فضيلة الشيخ الدكتور يحيى خليل ثقوف، المعروف باسم «غوس يحيى»، وهو أحد أبرز المفكرين والعلماء الإندونيسيين. وأضاف أن الجمعية شهدت في عهده انفتاحًا أوسع على القضايا الدولية، مع الحفاظ على رسالتها الأصيلة في خدمة المجتمع الإندونيسي.

وتابع موضحًا أن الجمعية تضم هيكلًا تنظيميًا يبدأ من المستوى الوطني، ثم الفروع الإقليمية، وفروع المدن والمقاطعات، وصولًا إلى القرى والأحياء، الأمر الذي يجعلها حاضرة في مختلف أنحاء البلاد، وقريبة من احتياجات المجتمع اليومية.
وحين طرحت الوكالة سؤالًا حول كيفية ممارسة نهضة العلماء رسالتها داخل المجتمع الإندونيسي، وما إذا كان نشاطها يقتصر على الجانب الديني، جاء تأكيده واضحًا بأن الأمر على العكس؛ إذ تنظر نهضة العلماء إلى الدين باعتباره قوة لبناء المجتمع، وليس مجرد ممارسة شعائرية، ولذلك فإن أنشطتها تمتد إلى مجالات متعددة.
وفي تفصيله لدور الجمعية في مجال التعليم، أوضح أنها تشرف على آلاف المدارس والمعاهد والجامعات التي تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة. وأضاف أنها تعمل اليوم بشكل مكثف على دمج العلوم الحديثة، والدراية الرقمية، واللغات الدولية في المناهج التعليمية للمعاهد التراثية، دون المساس بالجذور الأصيلة للتراث العلمي الكلاسيكي.
أما في المجال الاجتماعي، فأشار إلى أن الجمعية تدير مؤسسات للرعاية الصحية، ودورًا للأيتام، وبرامج لمكافحة الفقر، وتمكين المرأة، ورعاية الأسرة، إضافة إلى مبادرات التنمية الاقتصادية للمجتمعات المحلية.
كما لفت إلى أنها تقوم بدور مهم في تعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم المواطنة، وحماية الوحدة الوطنية، ونشر الإسلام المعتدل الذي يجمع بين المحافظة على الثوابت والانفتاح على العصر.
وأكد أن تأثير نهضة العلماء لا يقاس بعدد أعضائها فقط، بل بحجم حضورها في حياة المجتمع الإندونيسي، ومساهمتها المستمرة في بناء الإنسان والدولة معًا.
وعن السؤال المتعلق بما يميز نهضة العلماء عن غيرها من المؤسسات والحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، رأى أن خصوصية الجمعية تكمن في نجاحها في الجمع بين الأصالة والتجديد.
وأوضح أنها تحافظ على التراث العلمي الإسلامي، وتحترم المذاهب الفقهية، وفي الوقت نفسه لا تنغلق عن قضايا العصر، بل تسعى إلى الاجتهاد في التعامل مع المستجدات وفق مقاصد الشريعة.
وأضاف أن الجمعية تؤمن بأن الإسلام رسالة رحمة للعالمين، وأن قوة المسلمين لا تتحقق بالصراع، وإنما بالعلم، وبناء الإنسان، وخدمة المجتمع، وتعزيز قيم العدالة والسلام.
ولهذا، كما أكد، أصبحت تجربة نهضة العلماء تحظى باهتمام متزايد في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجًا يجمع بين الاعتدال، والعمل المؤسسي، والانفتاح الحضاري، والمشاركة الفاعلة في معالجة القضايا الوطنية والعالمية.

نهضة العلماء واستقلال إندونيسيا
ومع انتقال الحوار إلى ذكرى استقلال إندونيسيا، وما تمثله هذه المناسبة في الوعي الوطني، أوضح الشيخ الدكتور إشراق النجاح أن السابع عشر من أغسطس عام 1945 يمثل محطة مفصلية في تاريخ الأمة الإندونيسية، فهو اليوم الذي استعادت فيه البلاد حريتها وحقها في تقرير مصيرها بعد سنوات طويلة من الاستعمار.
وأكد أن ذكرى الاستقلال ليست مجرد احتفال وطني، بل هي مناسبة لاستحضار التضحيات التي بذلها الآباء المؤسسون والعلماء والمجاهدون وسائر أبناء الشعب من أجل بناء دولة مستقلة تقوم على الحرية والعدالة.
وأضاف أن نهضة العلماء تنظر إلى الاستقلال بوصفه أمانة يجب المحافظة عليها، فلا يقتصر معنى الاستقلال على التحرر من الاحتلال، وإنما يشمل بناء الإنسان، وترسيخ العدالة، وتعزيز التعليم، وتحقيق التنمية، والمحافظة على وحدة الوطن وتنوعه الثقافي والديني.
وعندما طرحت وكالة ANG سؤالًا عن الدور الذي اضطلع به العلماء وجمعية نهضة العلماء في مسيرة استقلال إندونيسيا وبناء الدولة الحديثة، أكد أن العلماء كانوا جزءًا أصيلًا من حركة التحرر الوطني، ولم يقتصر دورهم على الوعظ والإرشاد، بل شاركوا في تعبئة المجتمع، وترسيخ روح المقاومة، والدفاع عن استقلال البلاد.
وأشار إلى أن مؤسس نهضة العلماء، الشيخ هاشم أشعري، كان له دور تاريخي بارز عندما أصدر ما عُرف بـ«قرار الجهاد» عام 1945، الذي دعا فيه أبناء الشعب إلى الدفاع عن الوطن في مواجهة محاولات إعادة الاستعمار.
وأوضح أن هذا النداء أسهم في تعزيز المقاومة الشعبية، وأصبح علامة فارقة في تاريخ الاستقلال الإندونيسي.
واستطرد قائلًا إن الجمعية، بعد الاستقلال، واصلت دورها في بناء الدولة من خلال التعليم، وإعداد الكوادر، ونشر قيم المواطنة، والإسهام في تعزيز الوحدة الوطنية، إيمانًا منها بأن خدمة الوطن جزء من المسؤولية الدينية والأخلاقية.
وفي سؤال الوكالة عن إسهام نهضة العلماء في ترسيخ الوحدة الوطنية داخل دولة تضم مئات القوميات واللغات والأديان، أشار إلى أن التنوع في إندونيسيا ليس تحديًا فحسب، بل هو أيضًا مصدر ثراء حضاري إذا أحسن التعامل معه.
وأوضح أن نهضة العلماء تبنت منذ تأسيسها رؤية تؤكد أن الإسلام يدعو إلى التعارف والتعاون، وأن الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه.
ولهذا، أضاف، عملت الجمعية على ترسيخ ثقافة التعايش، واحترام المواطنة، وتعزيز الحوار بين مختلف مكونات المجتمع، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحفاظ على الهوية الإسلامية والقيم الدينية.
وأكد أن قوة الدولة لا تتحقق بإلغاء التنوع، وإنما بإدارته في إطار العدالة والمساواة والاحترام المتبادل، وهو ما ساعد إندونيسيا على الحفاظ على وحدتها رغم اتساعها الجغرافي وتعدد مكوناتها.
نهضة العلماء وفقه الحضارة
وحين انتقلت وكالة ANG إلى مفهوم «فقه الحضارة» الذي تطرحه نهضة العلماء بوصفه أحد المرتكزات الفكرية، أوضح الشيخ الدكتور إشراق النجاح أن فقه الحضارة هو اجتهاد معاصر ينطلق من مقاصد الشريعة الإسلامية، ويسعى إلى توظيف القيم الإسلامية في معالجة القضايا الكبرى التي تواجه الإنسانية.
وأوضح أن الفقه في صورته التقليدية اهتم، ولا يزال، بأحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، وهي مجالات أساسية في حياة المسلم، لكن العالم اليوم يواجه تحديات جديدة تتجاوز الإطار الفردي، مثل الأزمات البيئية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد العالمي، والهجرة، والعدالة الدولية، والأمن الإنساني.
ومن هنا، كما استطرد، يأتي فقه الحضارة ليؤكد أن رسالة الإسلام لا تقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه، وإنما تشمل أيضًا مسؤوليته في إعمار الأرض، وصيانة كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة، والإسهام في بناء حضارة إنسانية أكثر توازنًا وسلامًا.
وعن سؤال الوكالة حول ما إذا كان ذلك يعني أن نهضة العلماء تدعو إلى تجديد الفقه الإسلامي، أجاب بأن المقصود بالتجديد، إذا كان هو العودة إلى مقاصد الشريعة وتفعيل أدوات الاجتهاد للتعامل مع قضايا العصر، فهو أمر أصيل في التراث الإسلامي.
أما إذا كان المقصود هو تجاوز النصوص أو التفريط في الثوابت، فأكد أن هذا ليس منهج نهضة العلماء.
وبيّن أن الجمعية تؤمن بأن الإسلام يمتلك من المرونة والثراء ما يجعله قادرًا على مواكبة كل عصر، بشرط أن يتم الاجتهاد وفق الضوابط العلمية المعتبرة، مع الجمع بين أصالة التراث وفهم الواقع.
ولهذا، شدد على أن فقه الحضارة ليس قطيعة مع الفقه الإسلامي، بل هو امتداد له، يوسع مجالات حضوره ليشمل القضايا الإنسانية المعاصرة.
وفي إجابته عن سؤال حول أسباب ضرورة اهتمام العلماء بقضايا مثل البيئة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي، وهي قضايا تبدو بعيدة عن اختصاص الفقه التقليدي، أوضح أن هذه القضايا أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في حياة الإنسان وكرامته ومستقبل المجتمعات.
وضرب مثالًا بالذكاء الاصطناعي، موضحًا أنه يفتح آفاقًا واسعة للتقدم، لكنه يثير أيضًا أسئلة أخلاقية تتعلق بالخصوصية، والعدالة، وسوق العمل، وحدود تدخل التقنية في حياة الإنسان.
وكذلك الأمر بالنسبة للأزمة البيئية، التي أكد أنها لم تعد قضية علمية فحسب، بل أصبحت قضية أخلاقية وإنسانية تمس حاضر البشرية ومستقبلها.
ومن هنا، تابع، فإن مسؤولية العلماء لا تقتصر على بيان الأحكام الفقهية، وإنما تشمل أيضًا الإسهام في صياغة رؤية أخلاقية تضمن أن يكون التقدم العلمي في خدمة الإنسان، لا على حساب كرامته أو البيئة التي يعيش فيها.
وفي إطار «فقه الحضارة»، أكد أن الفقه الإسلامي لم يعد مطالبًا فقط بالإجابة الجزئية عن أحكام الفرض والحرمة أو الصحة والبطلان، بل أصبح مطالبًا بصياغة مبادئ أخلاقية عالمية تكون محل قبول لدى المجتمع الدولي، صونًا لكوكب الأرض وحماية للكرامة الإنسانية.
نهضة العلماء والقيادة الحضارية للعالم الإسلامي
وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الإسلامية في ظل حاجة العالم الإسلامي إلى تجديد طريقة حضوره على الساحة الدولية، أكد أن العالم الإسلامي يمتلك رصيدًا حضاريًا وأخلاقيًا كبيرًا، لكنه يحتاج اليوم إلى تطوير آليات حضوره في الساحة الدولية.
وأوضح أنه في الماضي كانت القوة تقاس غالبًا بالنفوذ السياسي والعسكري، أما اليوم فإن العالم يمنح أهمية متزايدة للقوة الناعمة، وللقدرة على إنتاج المعرفة، وبناء جسور الحوار، والمساهمة في معالجة القضايا الإنسانية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن مسؤولية المؤسسات الإسلامية لا ينبغي أن تقتصر على خدمة المجتمعات المحلية، بل تمتد إلى الإسهام في بناء السلام العالمي، وتعزيز العدالة، ونشر ثقافة التفاهم بين الشعوب.
وأضاف أن الإسلام يحمل رسالة عالمية، ومن واجب المسلمين أن يقدموا هذه الرسالة للعالم من خلال العمل والحوار والإسهام الحضاري.
وعندما طرحت الوكالة سؤالًا حول ما إذا كانت القيادة في العصر الحديث أصبحت تقوم على الفكر والقيم أكثر من اعتمادها على النفوذ السياسي، أشار إلى أن أدوات التأثير في العالم قد تغيرت بصورة كبيرة.
وأوضح أن الدول والمؤسسات التي تستطيع إنتاج الأفكار، وتقديم الحلول، وصناعة المعرفة، أصبحت تمتلك تأثيرًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
ولهذا، أكد أن نهضة العلماء تؤمن بأن القيادة في عصرنا هي قيادة أخلاقية وفكرية بالدرجة الأولى، تقوم على خدمة الإنسان، واحترام كرامته، وتعزيز التعاون بين الأمم.
وأضاف أن هذه الرؤية تتفق مع المقاصد الكبرى للإسلام التي تجعل الإنسان محورًا للعمران والحضارة.
وعن كيفية إسهام الإسلام في بناء نظام عالمي أكثر عدلًا وإنسانية، أكد أن الإسلام لا يقدم حلولًا للمسلمين وحدهم، وإنما يحمل منظومة من القيم الإنسانية التي يمكن أن تسهم في معالجة كثير من أزمات العالم.
وأوضح أنه عندما نتحدث عن العدالة، أو حفظ الكرامة الإنسانية، أو الوفاء بالعهود، أو التعاون، أو صيانة البيئة، فإننا نتحدث عن قيم يحتاجها العالم كله.
ولهذا، شدد على أن مساهمة المسلمين ينبغي أن تكون من خلال تقديم هذه المبادئ في صورة مبادرات عملية، وسياسات أخلاقية، وحوارات دولية تسعى إلى ترسيخ السلم والعدل، بعيدًا عن الصراعات الأيديولوجية أو المصالح الضيقة.
وعندما انتقلت الوكالة إلى تصاعد النزاعات الدولية، واتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، فضلًا عن التحديات البيئية والتكنولوجية، وسألت عما إذا كان العالم بحاجة إلى مراجعة منظومته الأخلاقية، أكد أن كثيرًا من الأزمات التي يعيشها العالم اليوم ليست ناتجة عن نقص في التقدم العلمي، وإنما عن غياب التوازن الأخلاقي.
وأوضح أن الإنسان استطاع أن يحقق إنجازات هائلة في مجالات التقنية والاقتصاد، لكنه في المقابل يواجه تحديات تتعلق بالعدالة، والكرامة الإنسانية، وحماية البيئة، والتوزيع العادل للثروات.
ولهذا، أشار إلى أن العالم يحتاج إلى استعادة البعد الأخلاقي في إدارة شؤونه، وإلى حوار عالمي تشارك فيه القيادات الدينية والفكرية والأكاديمية إلى جانب صناع القرار، حتى تصبح التنمية أكثر إنصافًا، ويصبح التقدم العلمي في خدمة الإنسان لا في الإضرار به.
نهضة العلماء والحوار العالمي
وحول مبادرات نهضة العلماء في السنوات الأخيرة في مجال الحوار بين الأديان والثقافات، أوضح أن هذه المبادرات تنطلق من قناعة راسخة بأن الحوار ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العالم المعاصر.
وقال إننا نعيش في عالم تتداخل فيه الثقافات والأديان والمصالح، ولا يمكن مواجهة التحديات المشتركة بمنطق الصدام أو الإقصاء.
ولهذا، أضاف، تعمل نهضة العلماء على بناء منصات للحوار تجمع القيادات الدينية والفكرية من مختلف الخلفيات، بهدف تعزيز الثقة المتبادلة، والبحث عن القيم الإنسانية المشتركة، والإسهام في بناء ثقافة السلام.
وأشار إلى أن هذه المبادرات تجسدت بشكل عملي من خلال تنظيم مؤتمرات ودورات عالمية مرموقة، مثل قمة الأديان لمجموعة العشرين (R20 / Religion of Twenty أو International Summit of Religious Authorities)، ومؤتمر «قمة القيادات الدينية»، مستفيدة من الرصيد الاجتماعي والديني للنهوض ببدائل موضوعية لحل الصراعات الجيوسياسية والتفاوت العالمي والأزمات الإنسانية.
وفي إجابته عن سؤال الوكالة حول ما إذا كان الحوار مع الآخرين يتعارض مع الثبات على الهوية الإسلامية، جاء تأكيده حاسمًا بأن الأمر على العكس تمامًا.
وأوضح أن الهوية الراسخة هي التي تمنح صاحبها الثقة في الحوار والانفتاح، أما الخوف من الحوار فيعكس غالبًا ضعفًا في الثقة بالنفس.
وأضاف أن الإسلام منذ بداياته دعا إلى التعارف، وإلى مخاطبة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلى التعاون في كل ما يحقق الخير للإنسان.
ولهذا، أكد أن الحوار بالنسبة لهم ليس تنازلًا عن الثوابت، وإنما هو وسيلة للتعارف، وإزالة سوء الفهم، وخدمة المصالح المشتركة.
نهضة العلماء والعلاقة مع مصر والعالم العربي
وحين انتقلت وكالة ANG إلى العلاقات التاريخية والثقافية بين إندونيسيا ومصر، أكد الشيخ الدكتور إشراق النجاح أن العلاقة بين البلدين ليست علاقة سياسية فقط، بل هي علاقة حضارية وعلمية وثقافية ممتدة عبر التاريخ.
وأشار إلى أن للأزهر الشريف دورًا كبيرًا في تكوين أجيال من العلماء الإندونيسيين الذين قصدوا مصر لطلب العلم، وعادوا حاملين معهم المعرفة الدينية والخبرة العلمية التي أسهمت في بناء المؤسسات الإسلامية في إندونيسيا.
كما أوضح أن التواصل بين علماء البلدين لم ينقطع، فهناك احترام متبادل وتبادل للخبرات في مجالات التعليم والدعوة والفكر الإسلامي.
وأضاف أن نهضة العلماء تنظر إلى مصر باعتبارها من أهم مراكز العلم والثقافة في العالم الإسلامي، كما تنظر إلى الشعب المصري باعتباره شعبًا قريبًا من الشعب الإندونيسي في محبته للإسلام واعتزازه بالهوية الحضارية.
وعن طبيعة العلاقة بين جمعية نهضة العلماء والمؤسسات العلمية والدينية في مصر، وخاصة الأزهر الشريف، أكد أن العلاقة بين نهضة العلماء والمؤسسات العلمية في مصر تقوم على الاحترام والتعاون العلمي.
وأوضح أنه منذ بدايات تأسيس نهضة العلماء، كان علماء إندونيسيا على صلة بالعالم الإسلامي الأوسع، وكانت مصر، وخاصة الأزهر الشريف، من أهم المراجع العلمية التي استفاد منها الطلاب والعلماء الإندونيسيون.
وأضاف أن عددًا كبيرًا من أبناء إندونيسيا درسوا في الأزهر، وتعلموا على أيدي علمائه، ثم عادوا إلى وطنهم للمساهمة في التعليم والدعوة وخدمة المجتمع.
وأشار إلى أن هناك تقاربًا كبيرًا بين منهج نهضة العلماء والمنهج الأزهري في الاهتمام بالوسطية، واحترام التراث العلمي، والابتعاد عن الغلو والتطرف، مع القدرة على التعامل مع قضايا العصر.
وأكد أن المؤسستين تقفان على أرضية واحدة من منهج أهل السنة والجماعة القائم على الوسطية، والذي لا يقتصر دوره على كبح جماح التطرف والغلو فحسب، بل يشكل أيضًا حصنًا منيعًا أمام العلمانية المتطرفة التي تسعى لإقصاء القيم الدينية عن الفضاء العام.
وعن كيفية تعزيز التعاون بين نهضة العلماء والعالم العربي في المرحلة المقبلة، قال إنهم يؤمنون بأن التعاون بين إندونيسيا والعالم العربي يجب ألا يقتصر على المجال السياسي، بل ينبغي أن يشمل التعليم، والبحث العلمي، والثقافة، والعمل الإنساني.
وأوضح أن هناك تجارب وخبرات يمكن تبادلها بين الجانبين، فالعالم العربي يمتلك تراثًا علميًا عريقًا، وإندونيسيا تمتلك تجربة مهمة في إدارة التنوع، وبناء مجتمع يجمع بين الهوية الإسلامية والاستقرار الوطني.
ومن خلال الحوار والتعاون، أكد، يمكن أن يقدم الجانبان إسهامًا مشتركًا في خدمة الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.
وعندما طلبت وكالة ANG منه توجيه رسالة إلى الشعب المصري والشعوب العربية من خلال هذا اللقاء، وجه تحية المحبة والتقدير إلى الشعب المصري وإلى جميع الشعوب العربية.
وأكد أن ما يجمعهم ليس فقط الدين، وإنما تاريخ طويل من التواصل العلمي والثقافي والإنساني، موضحًا أن المسلمين في إندونيسيا يشعرون بقرب خاص من العالم العربي، ويحملون تقديرًا كبيرًا للعلماء والمؤسسات العلمية العربية.
وأعرب عن أمله في أن تزداد جسور التعاون بين الشعوب، وأن يتم تبادل الخبرات في مجالات العلم والتنمية وخدمة الإنسان.
واختتم قائلًا إن مستقبل الأمة الإسلامية يحتاج إلى مزيد من التعارف والتعاون، وأن يعمل الجميع معًا على إبراز صورة الإسلام الذي يقوم على الرحمة والعلم والعدل والسلام.

في ذكرى استقلال إندونيسيا… رسالة إلى الشعب والعالم الإسلامي
وفي ختام الحوار، طرحت وكالة ANG على الشيخ الدكتور إشراق النجاح سؤالًا حول الرسالة التي يوجهها، في ذكرى استقلال إندونيسيا، إلى الشعب الإندونيسي وإلى العالم الإسلامي.
فتوجه أولًا بالتهنئة إلى الشعب الإندونيسي بهذه المناسبة الوطنية الغالية، داعيًا الله تعالى أن يديم على بلاده نعمة الأمن والاستقرار والوحدة، وأن يوفق أبناءها لمواصلة مسيرة البناء والتنمية.
كما وجه رسالة إلى العالم الإسلامي مفادها أن المستقبل لا يبنى بالنزاعات والانقسامات، وإنما بالعلم، والعمل، والتعاون، واحترام كرامة الإنسان، وترسيخ قيم العدل والسلام.
وأكد أن الإسلام الذي يؤمنون به هو دين رحمة للعالمين، وأن رسالتهم اليوم هي أن يجسدوا هذه الرحمة في واقع الناس، من خلال بناء الإنسان، وخدمة المجتمع، والإسهام في إقامة حضارة إنسانية أكثر عدلًا وتوازنًا.
وقال إن هذه هي الرسالة التي تسعى نهضة العلماء إلى حملها، وهي الرسالة التي يأملون أن تكون إسهامًا صادقًا في خير الإنسانية جمعاء.
وقبل أن يختتم الحوار، طرحت الوكالة سؤالًا أخيرًا حول الرسالة التي يود توجيهها إلى القارئ العربي الذي ربما يسمع عن نهضة العلماء للمرة الأولى.
فأكد أن نهضة العلماء ليست مجرد منظمة إسلامية في إندونيسيا، بل هي تجربة فكرية واجتماعية امتدت قرابة قرن من الزمن، تجمع بين أصالة التراث الإسلامي والانفتاح على قضايا العصر.
وأوضح أن التجربة أثبتت أن المحافظة على الهوية الإسلامية لا تتعارض مع بناء دولة حديثة، ولا مع احترام التعددية، ولا مع الانفتاح على العالم.
وأضاف أن الأمة الإسلامية، رغم اختلاف أوطانها وثقافاتها، تستطيع أن تتبادل الخبرات، وأن تتعاون في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد، والعمل الإنساني، بما يعود بالنفع على الجميع.
ومن هذا المنطلق، ندب المفكرين والعلماء والباحثين في العالم العربي إلى التعرف عن قرب على النموذج الإندونيسي في التكامل بين الإسلام والوطنية والتقاليد المحلية، ليكون مساحة للحوار الفكري المتكامل، خدمةً لرفعة الحضارة الإسلامية في المستقبل.

بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ