
إلى بعض الرجال… كلمةٌ صادقة من القلب، لعلّها تصل إلى قلوبكم
أكتب هذه الرسالة رغم علمي أنها قد لا تجد لدى البعض آذانًا صاغية؛ لشدة تمسّكهم بما اعتادوه، وقناعتهم بأن ما يفعلونه هو الصواب. ومع ذلك، تبقى الكلمة الصادقة واجبًا، والنصيحة مسؤولية، والمراجعة لا تنتقص من أحد، بل هي من شيم العقلاء وأهل الحكمة.
تعلمون أن كثيرًا من القبائل في مختلف ولايات السلطنة استطاعت، منذ عام 2014، الاستغناء عن خيام وولائم العزاء، دون أن ينقص ذلك من قدر الميت، ولا من مكانة أهله، ولا من كرمهم بين الناس. كما استطاع كثيرٌ منهم، منذ عام 2024، تنظيم استقبال المعزِّيات من الثالثة عصرًا إلى صلاة المغرب؛ فلماذا لا يزال بعضكم مُصرًّا على إقامة خيام وولائم العزاء؟
هل هو الخوف من كلام الناس؟ أم أن لديكم أسبابًا أخرى لا نعلمها؟ وهل قيمة العزاء في حجم الخيمة وكثرة الموائد، أم في صدق المواساة، والدعاء للميت، والوقوف إلى جانب أهله في محنتهم؟
إن التراجع عن عادةٍ تبيَّن ما فيها من أعباء ليس ضعفًا، ولا انتقاصًا من الكرم، بل وعيٌ وشجاعةٌ ومسؤولية. فالعاقل لا يتمسك بعادةٍ لمجرد أن الناس اعتادوها، وإنما يقف مع نفسه وقفةً صادقة ويسأل:
هل في إقامة هذه الخيام والولائم خيرٌ للميت؟
وهل تستند إلى سُنّةٍ نبوية؟
وهل ثبت في الشرع أن إقامة الولائم للمعزِّين سُنّةٌ أو صدقةٌ عن الميت؟
وهل جاء المعزّون للمواساة والدعاء، أم لتناول ما لذَّ وطاب من الطعام؟
ومن تقع عليه مسؤولية اتخاذ القرار في تنظيم عزاء النساء، ومن يتحمّل تبعات هذا القرار؟
المشكلة اليوم ليست فيمن لم تصله الرسالة، وإنما فيمن وصلته، وفهمها، وعرف ما يترتب على هذه العادات من أعباء، ثم ظل متمسكًا بها خوفًا من كلام الناس أو مجاراةً للمألوف.
إكرام الضيف خُلُقٌ كريم وقيمةٌ أصيلة، وله مواضعه ومناسباته؛ أما العزاء فمقامُ مواساةٍ وتخفيف، وأهل الميت فيه أحوج إلى من يخدمهم ويصنع لهم الطعام، لا إلى أن يتحولوا هم إلى مضيفين وهم في أشد أوقات الحزن والفقد.
ولنتأمل الهدي النبوي في هذا الباب؛ فلما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال النبي ﷺ:
«اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمرٌ شغلهم»
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وهنا يتجلّى المعنى العظيم: أن يُصنع الطعام لأهل المصاب تخفيفًا عنهم ومواساةً لهم، لا أن يُكلَّف أهل المصاب بصنع الطعام للمعزِّين، فتُضاف إلى مصابهم أعباء الضيافة وإعداد الموائد.
رفقًا بأنفسكم، ورفقًا بأهلكم ومجتمعكم…
لا تجعلوا كلام الناس أقوى من قناعاتكم، ولا العادة أقوى من المصلحة، ولا الخوف من مخالفة المألوف حاجزًا أمام اتخاذ القرار الصحيح.
فالكرم له مواضعه التي يَحسُن فيها، والعزاء له حرمته ومقصده؛ فلا نخلط بين إكرام الضيف في موضعه، وبين مقامٍ شُرع للمواساة والتخفيف، ولا نجعل من مصاب أهل الميت ميدانًا للضيافة والتنافس والتكلّف.
والوعي الحقيقي ليس أن تعرف الصواب فحسب، بل أن تمتلك شجاعة اتخاذ القرار والعمل به؛ فالتغيير يبدأ من أنفسنا.
فلا تنتظروا أن يبدأ الآخرون؛ فكل عادةٍ تغيّرت يومًا، بدأت بشخصٍ امتلك الوعي، ثم امتلك شجاعة القرار.
وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11].
الدكتور/ خالد بن علي أحمد آل إبراهيم
13 أغسطس 2026م
مؤسس مبادرة يُسر واجب العزاء

بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ