اخبار عاجلة

نصر بن حمود العبري يكتب : هل وقع ترامب ضحية دهاء عُماني؟

 

 

نصر بن حمود العبري يكتب :

هل وقع ترامب ضحية دهاء عُماني؟

ردود فعل إيجابية قوية إعلاميًا وسياسيًا وشعبيًا جنتها سلطنة عُمان دون مقابل من مختلف وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير سلطنة عُمان إن وقعت اتفاقًا مع إيران يسمح لكلا البلدين بالتنسيق بشأن فرض رسوم جمركية على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وقد حققت مسقط مكاسب إعلامية كبيرة، ولو خططت لها لدفعت الملايين من الدولارات، حيث انبرى كتاب أعمدة ومقالات صحفية ومذيعو ومحللو القنوات التلفزيونية للدفاع عن سلطنة عُمان، وأظهرت وسائل الإعلام السلطنة بصورة دولة الوساطة والحياد والحكمة، وبين الإعلام الدولي المواقف العُمانية الثابتة من عدم التدخل وتجنيب المنطقة الصراعات، مما يكسبها احترام الرأي العام، مشيدة بالسياسة الحكيمة التي تنتهجها السلطنة.

وسيناريوهات التحليل الإعلامي توضح أن أي دولة تتعرض لتهديد غير مبرر قد تكسب تعاطفًا إعلاميًا سريعًا، وهو ما حققته السلطنة دون مقابل.

كما أن القوة الناعمة العُمانية، من خلال تبنيها سياسة السلام والحكمة لا المواجهة، أكسبها ثقة الإعلام الدولي وإشادته بها.

أضف إلى ذلك ما كسبته سلطنة عُمان من تعرية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه حلفائها، ليس في الخليج فقط بل في العالم أجمع، فالوثوق بالشريك الأمريكي أضحى محل شك ما دام يهدد شريكًا قديمًا له.

أما السؤال الذي يتصدر عنوان هذا المقال: ما هو هذا الدهاء؟ وكيف وقع فيه ترامب وفريق عمله؟

فالدارس والخبير بالسياسة يعرف تمامًا أن هناك أنواعًا من الفخاخ السياسية بين الدول وأساليب الصراع غير المباشر في العلاقات الدولية، ففي ذلك العالم من العلاقات لا تقتصر المواجهة على الحروب العسكرية فقط، فقد تلجأ الدول أحيانًا إلى الدهاء السياسي، وهي تكتيكات غير مباشرة تهدف لإضعاف الطرف الآخر أو كسب موقف تفاوضي أو إحراجه أمام الرأي العام دون اللجوء للصدام المباشر.

ومن أبرز أنواعها – دون حصر –:

  • الاستدراج إلى النزاع.
  • دهاء الديون والتبعية الاقتصادية.
  • دهاء العزلة الدبلوماسية.
  • دهاء الإعلام والمعلومات المضللة.
  • دهاء الاتفاقيات المجحفة.
  • دهاء “الوسيط المحايد”.

وبما أن مسقط تتعرض باستمرار لضغوط مختلفة من أمريكا وحلفائها في المنطقة من أجل تنفيذ مخططات عدة، مثل اتفاقات أبراهام، ومطالب واشنطن بإقامة قواعد عسكرية ثابتة في الأراضي العُمانية، وآخرها الحرب على إيران، ورفض القيادة العُمانية لكل تلك المطالب وعدم الانجرار إليها، بل ومواجهتها – على الأقل سياسيًا وإعلاميًا – وإن كان أقواها رفض السماح للطائرات والسفن الأمريكية باستخدام الأراضي والموانئ والمطارات العُمانية لضرب إيران، فكل ذلك عرض السلطنة لتحديات خطيرة على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

وبما أن عُمان تمتلك من التاريخ إرثًا سياسيًا تغلفه الحكمة والتروي وعدم الانسياق للنزوات والابتعاد عن التحالفات التي يكون ضررها أكبر من نفعها، فكانت الخيارات أمام الساسة في السلطنة لحفظ المصالح العُمانية كثيرة، ومنها ما أوقع الأمريكيين في الدهاء العُماني.

ولكشف بعض تفاصيل ذلك الدهاء، نشير إلى الزيارة التي قام بها منذ عدة أيام إلى مسقط وفد إيراني رفيع المستوى برئاسة نائب وزير الخارجية، ويضم استشاريين وقانونيين إيرانيين متخصصين في القوانين الدولية واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقواعد الخاصة بالمضائق البحرية وبنودها، وذلك لترغيب سلطنة عُمان في الانضمام إلى نية إيران في فرض رسوم الإرشاد والخدمة التي يجيزها القانون الدولي ما دامت السفن تمر في المياه الإقليمية، وهي تختلف تمامًا عن رسوم العبور التي تطبق في القنوات البحرية والمضائق الطبيعية الواسعة، وأنها إن وافقت على ذلك سوف يكسبها دخلًا لا يقل عن دخلها السنوي من النفط.

وبما أن مسقط ليست بحاجة إلى من يفهمها أو يشرح لها القوانين، لكن وجود الفريق القانوني الإيراني في مسقط كان ضمن الخطة (دهاء).

كما أن مسقط لم تعلن تفاصيل تلك الاجتماعات الثنائية، ولم تصرح رسميًا إن كانت ستفرض تلك الرسوم أم لا، وتركت الإيرانيين يتبارون في تصريحاتهم الإعلامية بأن مسقط قد وافقت على فرض الرسوم على المضيق (دهاء).

ومما زاد الأمر إثارة ما أشار إليه المسؤولون الإيرانيون من أن الرسوم ستكون باليوان الصيني بدلًا من الدولار الأمريكي (دهاء).

الخلاصة

إن السياسة الدولية أشبه برقعة شطرنج، والدهاء السياسي لا يعني الغدر بالضرورة، بل هو استغلال الفرص واختبار لذكاء صانع القرار وقدرته على قراءة ما بين السطور.

مسقط كانت تدرك تمامًا أن الرسالة قد وصلت إلى واشنطن، وكشفتها فورًا سياسة الانفعال والتصريحات الإعلامية العنترية التي يتبناها ترامب وفريقه من خلال تهديداتهم لسلطنة عُمان.

وفي الختام، نعلم جميعًا أن لا قوة عسكرية تضاهي القوة الأمريكية، ولكن المثل الشعبي يقول:

«اللي ما تطول به يدك، لحسه بلسانك»

وهذا هو بيت القصيد.

فسلطنة عُمان تستطيع الآن، بقوة مضيق هرمز، أن تتفاوض مع الأمريكيين في وقف ضغوطهم عليها، وربما أقل تلك الضغوط الحملات الإعلامية التي تشنها أمريكا بقيادة الصهيوني مارك سيفرز، سفير الولايات المتحدة الأمريكية السابق في مسقط، الذي يعمل حاليًا مستشارًا في دولة خليجية تدعم هذا التوجه ماليًا ولوجستيًا – على الأقل – في مختلف وسائل الإعلام الدولية بهدف تشويه سلطنة عُمان المتمنعة عليهم.

فهل ينجح الدهاء العُماني أمام الغطرسة الأمريكية؟

**والله من وراء

نصر بن حمود دبلوماسي سابق

شاهد أيضاً

عبدالحميد صالح يكتب هل الأنظمة الغذائية مفيدة أم ضارة؟ وما الدليل العلمي؟

عبدالحميد صالح يكتب هل الأنظمة الغذائية مفيدة أم ضارة؟ وما الدليل العلمي؟ أصبحت الأنظمة الغذائية …