
الباولونيا.. والمورينجا وغيرها أشجار الأمل في أرض الكنانة
بقلم: ناصر عبد الحفيظ
لقد كنتُ شاهد عيان حين أطلق اللواء علاء أبو زيد، محافظ مطروح الأسبق، مشروع غابة مطروح من إعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وكانت زراعة شجرة الباولونيا في المحافظة تهدف بشكل أساسي إلى مواجهة التصحر واستغلال الموارد المتاحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأخشاب. رأيتُ بنفسي كيف تحولت الفكرة إلى واقع، وكيف يمكن لهذه الشجرة أن تكون ثروة خضراء تُغير وجه الاقتصاد المصري. واليوم، وبعد نجاح التجربة، أصبح من الضروري تعميمها على مستوى الجمهورية، لتُحقق مصر نهضتها الزراعية والصناعية، وتتحول من مستورد للأخشاب إلى منتج ومُصدر لها.
حين تتحول المخلفات والأراضي الصحراوية إلى ذهب أخضر
في وقتٍ تعاني فيه مصر من نقص الموارد، وتواجه تحديات اقتصادية كبرى، نرى بأعيننا كيف تستنزف أرقام الاستيراد اقتصادنا الوطني. فهل يُعقل أن تستورد مصر أخشابًا سنويًا بقيمة 3.8 مليار دولار، بينما لدينا كل المقومات لننتجها بأنفسنا؟ هل يُعقل أن نظل معتمدين على استيراد المواد الخام، بينما يمكننا زراعة ما نحتاجه محليًا؟
الباولونيا ليست مجرد شجرة، بل ثورة زراعية يمكن أن تحول المعادلة لصالحنا، فهي تُزرع بأقل التكاليف، وتستفيد من مياه الصرف الصحي المُعاد تدويرها، وتنتج أخشابًا عالية الجودة تنافس ما نستورده من السويد وروسيا وفنلندا.
مصر والتوسع في إعادة تدوير مياه الصرف
لقد استثمرت مصر خلال السنوات الأخيرة بشكلٍ كبير في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة تدويرها، حيث تم إنشاء العديد من المحطات الحديثة لتحويل هذه المياه إلى مصدر نافع للزراعة، خاصة في المشروعات القومية لاستصلاح الأراضي.
اليوم، تُستخدم هذه المياه في ري الغابات الشجرية في العديد من المحافظات، وهو ما يعزز فرص زراعة الباولونيا دون المساس بمياه النيل أو الموارد الجوفية، مما يجعلها خيارًا مثاليًا لزيادة الرقعة الخضراء باستخدام موارد مُعاد تدويرها.
غابة في ثلاثة أعوام.. حلم يتحقق
الباولونيا ليست شجرة عادية، بل مصنع طبيعي للأخشاب والعسل والأعلاف.
• في ثلاث سنوات فقط، تتحول الشتلة إلى شجرة شامخة.
• في ست سنوات، تعطينا ما لا يقل عن نصف متر مكعب من الخشب، بجودة تناسب صناعة الأثاث التي طالما تميزت بها مصر منذ عهد محمد علي باشا.
• أوراقها ليست مجرد زينة، بل غذاء غني بالبروتين، يمكن أن يكون طعامًا للماشية.
• أزهارها المتفتحة تُعتبر مصدرًا ممتازًا للنحل، مما يعزز إنتاج العسل الطبيعي.
الغابة التي تحلم بها مصر
تخيلوا أن أطراف المدن المصرية لم تعد أراضٍ جرداء، بل غابات شجرية تضج بالحياة، متنزهات طبيعية تمتد على مساحات شاسعة، تجذب الطيور والحياة البرية، وتعيد التوازن البيئي الذي فقدناه.
هذه ليست مجرد أحلام، بل واقع يمكن تحقيقه، وقد نجحت فيه بعض المحافظات بالفعل، مثل مطروح، حيث أثبتت الباولونيا قدرتها على النمو وسط ظروف مناخية صعبة.
هل هناك أشجار أخرى سريعة النمو تناسب مناخ مصر؟
نعم، بالإضافة إلى الباولونيا، هناك عدة أنواع أخرى من الأشجار سريعة النمو والتي تتحمل المناخ المصري، ومنها:
1. الكافور (Eucalyptus spp.)
• ينمو بسرعة.
• يُستخدم في صناعة الأخشاب وصناعات الزيوت العطرية.
• يُساهم في تحسين جودة الهواء.
2. الماهوجني الأفريقي (Khaya senegalensis)
• خشبه عالي الجودة.
• يستخدم في صناعة الأثاث الفاخر.
• يتحمل الجفاف والحرارة المرتفعة.
3. التيك (Tectona grandis)
• شجرة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
• خشبها مقاوم للرطوبة والتآكل، ومناسب لصناعة الأثاث الفاخر.
• تتكيف مع البيئة المصرية خاصة في المناطق الدافئة.
4. المورينجا (Moringa oleifera)
• سريعة النمو، ومفيدة للأعلاف والبشر.
• أوراقها غنية بالبروتينات والمعادن.
• لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.
رسالة إلى صناع القرار
اليوم، نحن أمام فرصة لا يجب أن نضيعها. الباولونيا وغيرها من الأشجار السريعة النمو ليست مجرد مشروع زراعي، بل قضية اقتصادية وطنية.
• دعونا نبدأ بزرعها في كل محافظة، في كل شبر من أراضينا التي تنتظر فرصة للحياة.
• دعونا نُطلق مبادرة وطنية، لا تكتفي بزرع الأشجار، بل تبني صناعات جديدة تعتمد على إنتاجنا المحلي، فتُصنع الأخشاب هنا، ويُصنع الأثاث هنا، ونعود كما كنا روادًا في هذه الصناعة، لا مجرد مستهلكين لما ينتجه الآخرون.
“إذا أردت أن تزرع لعام فازرع قمحًا، وإذا أردت أن تزرع لعشرة أعوام فازرع شجرًا.”
فلنزرع إذن، لا لعام ولا لعشرة، بل لمستقبل مصر كلها
بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ