
د. حسين الانصاري
انعقد في إمارة الفجيرة مؤخرا ملتقى الفجيرة الإعلامي، الذي يعد منصة إعلامية مهمة ترصد الواقع الإعلامي ومتغيراته وهو نشاط يقام كل سنتين بتنظيم مباشر من المكتب الإعلامي لحكومة الفجيرة، تلتقي فيه نخبة من رموز وخبراء الإعلام وصُناع القرار والناشطين والمبدعين من العالم العربي والعالم. وقد سعى الملتقى في دورته الأخيرة إلى مناقشة أبرز القضايا والاتجاهات الحديثة في صناعة الإعلام، واستشراف مستقبل القطاع في ظل التحوّلات التكنولوجية والرقمية المتسارعة، فضلا عن كونه أشاد بجيل الإعلام الناشىء حيث سيكونوا بناة إعلام الغد واتاح الملتقى فرصا للتواصل وتكريم الرموز الإعلامية التي قدمت إسهامات مميزة في ميدان الإعلام إلى جانب اقامة ورشا اعلامية وتبادل الخبرات وبناء شراكات استراتيجية من شأنها ان تكون اضافات في تطوير المشهد الإعلامي محليا وإقليميا .وقد تضمن الملتقى جلساتٍ فكرية متعددة جاءت تحت شعار ( اعلام اليوم وأقنعة الحقيقة) ركزت محاورها على دور الإعلام وكيفية التعامل مع التطورات التقنية المتواصلة في ظل معطيات الذكاء الصناعي وتنوع استخدامه في الفن والإعلام وآثاره الإيجابية والسلبية ، حيث برزت إشكاليات وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها الفاعل الأكثر حضوراً وتأثيراً في تشكيل الوعي العام. وقد ناقش المجتمعون هذه الإشكاليات من خلال مجموعة من الإعلاميين والفنانين وصُناع المحتوى من بلدان عربية متنوعة، حيث دار النقاش حول مسؤولياتهم في زمن تزدحم فيه شاشة الإنترنت بمنصات لا تُحصى، ويتراكم فيه المحتوى الهابط الذي يترك أثرا سلبيا في عقول الناس، ولا سيما الأطفال منهم والشباب.
في الندوة الحوارية التي انعقدت تحت عنوان صناعة التأثير بين الابداع والفوضى والتي شارك فيها خمسة من صناع المحتوى كانت مداخلتي موجّهة إليهم عبر سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته ماذا تفكرون به وأنتم تصنعون محتواكم؟ من هو الجمهور الذي تخاطبونه؟ وكيف تضمنون وصول رسائلكم؟ وهل يشكّل عدد المتابعين قيمة حقيقية في معادلة التأثير، بين الإضافة الإبداعية والفوضى والسذاجة في تناول الواقع وطرح افكار سلبية ربما أصبحت أكثر جاذبية في سوق تحكمه الخوارزميات؟
لم يعد السؤال اليوم عن أهمية وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءا اساسيا من الحياة اليومية، ومصدرا رئيسا للأخبار والمعرفة والترفيه. لكن السؤال الأعمق يتمحور حول طبيعة هذا الحضور هل هو حضور يبني وعيا، أم يكرس حالة الانجرار وراء الاستهلاك العابر والسطحية؟ هل يسهم في توسيع مدارك الناشئة، أم يختزل العالم في مقاطع سريعة تُلهب الغرائز وتستثمر في الغرائبية و الإثارة؟
إن الخوارزميات، بوصفها العقل الخفي للمنصات، لا تعمل وفق معيار القيمة المعرفية أو الأخلاقية حسب، بل تخللها منطق التفاعل وعدد المتابعين والجذب والبقاء الأطول على الشاشة. وهنا تكمن الإشكالية: فالمحتوى الأكثر إثارة للجدل أو الصدمة أو يقدم الغرابة هو الأقدر على الانتشار، حتى وإن كان فقيرا في مضمونه. ومع الوقت، تتحول معايير الجودة لدى الجمهور خصوصاً الفئات العمرية الصغيرة إلى معايير رقمية تتمثل بعدد المشاهدات، الإعجابات، والمشاركات، لا عمق الفكرة أو صدقية الطرح او التعبير عن حاجات المتلقين ،غير أن تحميل الخوارزميات وحدها مسؤولية الفوضى الرقمية يعد تبسيطا للمسألة. فصانع المحتوى ليس مجرد أسير لنظام تقني ،بل هو فاعل يملك خيارا أخلاقيا ومهنيا. بين أن ينساق وراء ما يطلبه السوق” الرقمي أو أن يسهم في تشكيل ذائقة جديدة ترتقي بالمتلقي، ولو كان الطريق أطول وأقل بريقا في البداية.
إن عدد المتابعين قد يمنح صاحبه وهماً بالقيمة، لكنه لا يمنح بالضرورة أثرا!حقيقيا. فالتأثير لا يقاس بحجم الجمهور فقط، بل بطبيعة التحول الذي يحدثه المحتوى في وعيه وسلوكه. قد يمتلك أحدهم ملايين المتابعين دون أن يترك أثراً يتجاوز لحظة التسلية، بينما يستطيع آخر بمحتوى رصين وموجه أن يسهم في بناء وعيٍ نقدي لدى شريحة محددة، لكنه عميق الأثر.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف النجاح في الفضاء الرقمي النجاح ليس في تصدر الترند فحسب، بل في القدرة على الجمع بين الجاذبية والمسؤولية، بين الإبداع والقيم، بين الحرية والوعي. فالشباب الذين يصنعون المحتوى اليوم لا يخاطبون جمهوراً عابراً، بل يسهمون بقصد أو بغير قصد في تشكيل منظومة أفكار وأنماط سلوك وفضاء تنوير ومعرفة وتواصل لدى أجيال كاملة.
وبين التأثير والفوضى، تتحدد المسؤولية ويتشكل المستقبل.
بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ