اخبار عاجلة

«حليم» بين الفن والسياسة: ندوة تكشف الأسرار والحكايات في متحف نجيب محفوظ

 

كتب: محمود جاد

شهد متحف نجيب محفوظ، مساء اليوم السبت، ندوة ثقافية وفكرية ثرية لمناقشة كتاب “حليم.. أسرار وحكايات مع حكام العرب” للكاتبة والصحفية سمية عبد المنعم، في لقاء اتسم بالحيوية وفتح مساحات واسعة للنقاش حول موقع عبدالحليم حافظ في التاريخ الفني والسياسي العربي، وعلاقته بالسلطة، والجمهور، واللحظة التاريخية التي صنعته وصنعته بدوره.

الندوة، التي أقيمت في تمام الساعة السادسة مساءً، شارك فيها نخبة من النقاد والكتاب والصحفيين، حيث ناقش الكتاب كل من الناقد الفني والصحفي أمجد مصطفى، والباحث والكاتب الصحفي والمؤرخ شريف عارف، فيما أدار الحوار الشاعر والكاتب الصحفي جمال فتحي، رئيس القسم الثقافي بجريدة الجمهورية.

في كلمته الافتتاحية، أكد جمال فتحي أن اللقاء يحمل “جو حميمية وأفكارًا ثرية”، معربًا عن سعادته بمناقشة كتاب وصفه بـ”الرائع”، ومهنئًا الكاتبة سمية عبد المنعم على هذا الجهد البحثي والسردي اللافت.

 

وأشار فتحي إلى أن الكتاب يفتح أبوابًا جديدة للنقاش حول عبدالحليم حافظ، ليس فقط كمطرب، بل كظاهرة تاريخية وثقافية وسياسية.

وتوقف فتحي عند الجدل المثار حول فيلم “الست”، معتبرًا أنه “فجر تاريخًا جيدًا” لشخصية كانت رمزًا كبيرًا، لينتقل بعدها إلى طرح تساؤلات أوسع عن السياق التاريخي الذي خدم نجومًا بعينهم، وعلى رأسهم عبدالحليم حافظ، الذي كان، مشيرا إلى أن الأقرب للمنافسة في زمن أم كلثوم.

وطرح سؤالًا محوريًا: هل لو وُجد عبدالحليم في زمننا الحالي كان سيحظى بالمكانة نفسها؟ أم أن التاريخ والظروف السياسية والاجتماعية لعبت الدور الأكبر في صعوده؟

وأشار مدير الندوة إلى أن الكاتبة تطرقت في كتابها إلى “منطقة مختلفة” في سيرة عبدالحليم، خاصة ما يتعلق بعلاقته بالحكام العرب، متسائلًا عن دوافع هذا الاختيار، وما الذي جذبها إلى هذه المساحة الشائكة.

 

كما أكد أن اهتمامه بعبدالحليم لا ينطلق من الإعجاب فقط، بل من محاولة فهم علاقته بالجمهور، وقدرته الاستثنائية على التأثير الوجداني، معتبرًا أن هذا البعد الإنساني والفني هو مفتاح فهم ظاهرة العندليب.

من جانبها، تحدثت الكاتبة والصحفية سمية عبد المنعم عن الدوافع الشخصية والمهنية التي قادتها إلى إنجاز هذا الكتاب، مؤكدة أن عبدالحليم حافظ كان بالنسبة لها إنسانًا ومطربًا كبيرًا منذ الطفولة، حيث نشأت في بيت كان صوته حاضرًا فيه بقوة.

 

وولوجها عالم الأدب والصحافة، بدأت تتساءل عن سر هذا التوهج والشهرة الاستثنائية، لتكتشف وجود علاقة وثيقة بين عبدالحليم والزعيم جمال عبد الناصر، الأمر الذي فتح أمامها أسئلة أوسع عن علاقته بحكام عرب آخرين.

وأوضحت سمية أن العمل على الكتاب استغرق نحو عامين من البحث والتقصي، وأن فكرة تناول علاقة عبدالحليم بالحكام ليست جديدة في جوهرها، لكنها لم تُطرح من قبل بهذا الاتساع والعمق.

وأشارت إلى أن الفكرة كانت تلاحقها باستمرار، حتى قررت خوض هذه الرحلة البحثية، التي كشفت لها جوانب إنسانية وسياسية لم تكن معروفة على نطاق واسع.

واوضحت عبدالمنعم عن مواقف إنسانية لافتة في حياة عبدالحليم، مؤكدة أنه كان صديقًا وفيًا إلى حد التضحية، مستشهدة بواقعة إذاعة المغرب، حين تعرض لإطلاق نار كاد أن يودي بحياته، بسبب تمسكه بعدم إذاعة بيان انقلاب، في موقف اعتبرته دليلًا على شجاعته ووفائه لمبادئه وأصدقائه.

الناقد الفني أمجد مصطفى، رئيس تحرير جريدة الوفد الأسبق، أكد في مداخلته أن عبدالحليم حافظ “جزء لا يتجزأ من التاريخ المصري”، لأنه أرّخ لمرحلة كاملة من تاريخ البلاد عبر الأغنية الوطنية، وواكب مشروعاتها الكبرى، ولم يقتصر تأثيره على مصر فقط، بل امتد إلى العالم العربي، ليصبح ابنًا لكل الأسر المصرية والعربية.

وأشار إلى أن العلاقة الحميمة التي نشأت بين عبدالحليم والجمهور العربي جعلته رمزًا جامعًا، تتقاطع عنده المشاعر القومية والفنية.

وأوضح مصطفى عند الأسئلة التي يطرحها الكتاب، معتبرًا أن الكاتبة اختارت زوايا مختلفة وجريئة، خاصة ما يتعلق بدور عبدالحليم السياسي، وعلاقته بجمال عبد الناصر وأنور السادات.

وطرح سوال: هل كان عبدالحليم مجرد فنان متأثر بالسياسة، أم أنه كان فاعلًا سياسيًا بطريقته الخاصة؟ مؤكدًا أن الكتاب يفتح الباب للإجابة عن هذا السؤال.

وأشار إلى أن أغاني عبدالحليم في أكتوبر كانت تعبيرًا صادقًا وصل إلى جميع فئات المجتمع، من العامة إلى الملوك والرؤساء، الذين كانوا يتهافتون على حضور حفلاته، محاولين فهم سر هذا التأثير الطاغي.

 

واعتبر أن عبدالحليم فنان لكل الطوائف، لا يمكن حصر جمهوره في فئة بعينها، لأنه كان “مؤسسة قائمة بذاتها”، يتمتع بذكاء فني جعله يختار الشعراء واللغة الأقرب إلى وجدان الناس، ويكسر الحدود الجغرافية والسياسية بالغناء.

أما الكاتب الصحفي والمؤرخ شريف عارف، المستشار الإعلامي لحزب الوفد، مشددا على ضرورة قراءة عبدالحليم في سياقه التاريخي، مؤكدًا أن الفنان بلا قضية لا يمكن أن يكون فنانًا حقيقيًا، مستشهدًا بسيد درويش كنموذج للفنان المرتبط بقضية.

وأوضح أن مرحلة ما بعد ثورة 1952 كانت مرحلة تحول جذري، احتاجت إلى فنانين قادرين على تحريك وجدان الشعب، وأن عبدالحليم كان أحد أبرز هؤلاء.

وأشار عارف إلى أن بعض الناس نظروا إلى عبدالحليم باعتباره سياسيًا بآليات فنية، لأنه جاء بلون مختلف، وغيّر شكل الأداء على المسرح، وكان أول من كسر النمط التقليدي.

واعتبر أن شخصية عبدالحليم “شخصية مؤسسة” تحتاج إلى دراسة معمقة، لما امتلكه من شبكة علاقات واسعة مع الشعراء والمثقفين والفنانين.

وتناول عارف المقارنة بين علاقة عبدالحليم بالحكام، وعلاقة محمد عبدالوهاب، معتبرًا أن عبدالوهاب كانت له علاقات أوسع، لكن عبدالحليم تميز بروح التمرد والعلاقة الحميمة والصحوبية.

وأكد أن الفن لا يجب أن يُختزل في علاقته بالحاكم، رافضًا الرأي القائل بأن عبدالحليم استفاد من عبد الناصر فقط، ومشيرًا إلى أن العلاقة كانت تبادلية.

وأشاد عارف بلغة الكاتبة واجتهادها البحثي، مشيرا أن الكتاب “مشروع كبير” في ظل أزمات النشر، وليس مجرد عمل تجاري، بل محاولة جادة لفهم ملابسات علاقة الفن بالسلطة، مستشهدًا بمقولة تؤكد تعدد شخصيات عبد الناصر، قبل الثورة وبعدها، وانعكاس ذلك على الفن.

مدخلات الندوة

وفي باب المداخلات، قال الشاعر الكبير سامح محجوب، مدير بيت الشعر العربي، إن شهادة سمية “مجروحة بمحبتها لعبدالحليم”، لكنها شهادة تعيد الاعتبار للكتابة عن هذا الموضوع المهم، مؤكدا أن أغاني عبدالحليم تشكل “أسطورة سياسية” بامتياز.

أما الشاعر الدكتور أحمد الجعفري، فرأى أن الكتاب يمثل “مغامرة حقيقية” في الكتابة عن عبدالحليم بعد مرور سنوات طويلة، مشيرًا إلى أهمية طرح مشروع متكامل لدراسة عبدالحليم يجمع بين الاجتماعي والسياسي، ومتسائلًا عما تبقى من مشروعه لصناعة الأسطورة.

الكاتبة الصحفية أنس الوجود اعتبرت الكتاب اكتشافًا على مستوى لغة السرد، مؤكدة أن تناول الأسرار السياسية والخلفيات المرتبطة بالأغاني يمثل ذكاءً واضحًا من الكاتبة، خاصة في ظل المجهود البحثي الكبير، مشيرة إلى أن عبدالحليم كان من أكثر الفنانين حضورًا في الحوارات الصحفية، لا سيما في مجلة صباح الخير.

قال الشاعر مجدي أبو الخير إن هناك “ذكاءً الوجهاء” واضحًا في العلاقة بين عبدالحليم حافظ والكاتبة سمية عبد المنعم، مشيرا إلى أن هذه النقطة تمثل فارقًا مهمًا في قراءة تجربة عبدالحليم، الذي امتلك شخصية مختلفة، وتعلّم مبكرًا الحكمة والشياكة واللياقة، واستطاع أن يجد نفسه حاضرًا في مختلف الطبقات الاجتماعية.

وأوضح أن عبدالحليم كان يتمتع بذكاء ووفاء كبيرين، مؤكدًا أنه لم يكن فنانًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، وإنما كان مرتبطًا بالقضية العامة في زمنه ارتباط حب وانتماء، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي خرج فيه البعض للتظاهر ضد الرئيس جمال عبدالناصر، ظل عبدالحليم متمسكًا بالغناء له إيمانًا بالفكرة لا بالسلطة.

وأضاف أبو الخير أن عبدالحليم كان في سباق دائم مع الناس، حريصًا على أن تصل صورته إلى الجميع، وأن رهانه الحقيقي كان دائمًا على الجمهور لا على الحكام أو السلطة، وهو ما يفسر التنوع الكبير في اختياراته الفنية.

وفي مداخلة أخرى، تحدث الكاتب الصحفي سيد علي، مدير تحرير جريدة الأخبار، عن نشأة عبدالحليم في ملجأ الأيتام، وما أفرزته من إصرار على التعلم وبناء الذات.

كما طرح المهندس حسام محرم، المستشار السابق لوزير البيئة، سؤالًا حول أبرز التحديات التي واجهت الكاتبة في جمع وتحليل الوثائق والمعلومات.

واختُتمت الندوة بإلقاء الشاعر سامي سلوم قصيدة مهداة إلى الكاتبة سمية عبد المنعم بعنوان من ذا الذي يقدر وصفها، في لحظة احتفائية جسدت روح الندوة، التي أعادت طرح عبدالحليم حافظ كقضية مفتوحة للنقاش، تتجاوز الغناء إلى التاريخ، والسياسة، والوجدان العربي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

الكويت.. ندوة البابطين الثقافية ترسم ملامح تمكين العربية في العصر الرقمي

      خاص: بوابة الاخبار العربية اختتمت مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية، يوم الاثنين …