ناصر عبدالحفيظ يكتب عن الفنان الشاب بومدين أصيل بشراير

ناصر عبدالحفيظ يكتب

في مطار هواري بومدين بالجزائر، وفي ساعة متأخرة من الليل، كان الاستقبال مختلفًا؛ استقبال لا تحكمه المجاملة بقدر ما تقوده الروح المسرحية الخالصة. هناك التقت فرقة المسرح المصري بفنان شاب، لم يكن مجرد مضيف، بل كان شريكًا في الهمّ الإبداعي، ورفيق رحلة فنية وإنسانية ممتدة حتى ولاية الوادي، حيث تقام فعاليات مهرجان مونودراما المسرح النسائي.

إنه الفنان بومدين أصيل بشراير، أحد الوجوه المسرحية الجزائرية التي تجمع بين التمثيل، والغناء، والسينوغرافيا، والكتابة المسرحية، في توليفة نادرة لا تتشكل إلا عبر دراسة جادة ووعي عميق بخشبة المسرح. بومدين خريج جامعة ورقلة، تخصص أدب عربي قديم، إلى جانب تخصصه في الفنون الدرامية، وهو ما ينعكس بوضوح على لغته المسرحية، وعلى علاقته الذكية بالنص والجسد والفضاء.

شارك بومدين في العديد من العروض المسرحية المحلية والوطنية، كما مثّل الجزائر في مجموعة من المهرجانات الدولية والوطنية، من بينها:

  • المهرجان الدولي للمسرح الجامعي – قسنطينة
  • المهرجان الدولي للمونودراما الجامعي – الوادي
  • المهرجان الوطني لمسرح الطفل – قسنطينة
  • مهرجان المونودراما المغربي – ورقلة

وقدّم أدوار بطولة لافتة، من أبرزها مشاركته في أوبريت «وشم على الكثبان»، ومسرحيات «النسيج»، «سكان الأنقاض»، و**«القطعة الأخيرة»**، حيث بدا واضحًا امتلاكه لأدوات الممثل الواعي، القادر على حمل الفكرة لا الدور فقط.

وعلى مستوى الكتابة، يمتلك بومدين رصيدًا مهمًا من النصوص المسرحية، في مقدمتها مونودراما «المنجم»، النص الذي توقفت عنده في هذا المقال، ونشرته عبر بوابة الأخبار العربية، لما يحمله من عمق إنساني ووعي فلسفي بالمكان والذات. وله أيضًا نصوص أخرى منها:

«سكان الأنقاض»، «كرم وآلة الزمن»، «غريب في المدينة»، «سي مخلوف»، و**«غريبين»**.

وهي أعمال أتطلع بشغف لقراءتها، لما يمتلكه بومدين من قدرة على الجمع بين خبرة الممثل، وحسّ المخرج، ووعي الكاتب، وهي إمكانات لا تُكتسب صدفة، بل تُبنى عبر دراسة وتجربة ومراكمة وعي.

كان اختيار إدارة مهرجان مونودراما المسرح النسائي موفقًا، حين أوكلت إلى هذا الفنان مهمة استقبال ضيوف بلده، ليس فقط في مطار الجزائر، بل في رحلة برية طويلة نحو الوادي، تحوّلت إلى مساحة حقيقية لتبادل الأفكار، والنقاش حول المسرح، والأسئلة الكبرى للفن ودوره.

من هنا، من هذا الاحتكاك الإنساني المباشر، يحدث التفاعل الحقيقي، وتُبنى الجسور بين التجارب، وتنتقل الخبرات خارج قاعات الندوات الرسمية.

فشكرًا للفنان الشاب بومدين أصيل بشراير، وشكرًا للقائمين على المهرجان، فقد استمتعت ـ ولا أزال ـ بالحوار معه، وبالاطلاع على أحد نصوصه اللافتة، وهو يستعد به لمشروعه المسرحي الجديد.

تحية لمسرح يُكتب بصدق… ويُستقبل بمحبة

يأتي نص «المنجم» للكاتب بومدين أصيل بشراير بوصفه عملًا مسرحيًا شديد الكثافة، لا يكتفي بسرد حكاية عامل محاصر تحت الأرض، بل يذهب أبعد من ذلك ليحفر في طبقات النفس الإنسانية ذاتها، حيث يتحوّل المكان من جغرافيا مظلمة إلى حالة وجودية كاملة. هنا، لا يصبح المنجم فضاءً للعمل القاسي فحسب، بل استعارة كبرى للعالم، وللعلاقات، وللإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدود العزلة.

تتجلّى روعة النص في قدرته على تحويل الصمت إلى خطاب، والظلام إلى لغة، والفحم إلى شاهد أخلاقي على قسوة الواقع. يكتب بومدين أصيل بشراير بلغة مكثفة، شاعرية دون تكلّف، وقاسية دون صراخ، فيمنح المونودراما طاقة داخلية نادرة، تجعل الشخصية الوحيدة على الخشبة كأنها تمثل جموعًا صامتة، لا فردًا معزولًا.

يمتلك النص وعيًا عميقًا بجوهر المسرح، حيث يعتمد على الاقتصاد في العناصر، ويمنح الكلمة والجسد والإضاءة دور البطولة. الحوار الداخلي لا يأتي كاعتراف مباشر، بل كصراع متدرّج بين الخوف والسخرية، بين الاستسلام والرغبة في النجاة، حتى يبلغ ذروته في لحظة انكشاف إنساني صادق، لا يقدّم خلاصًا جاهزًا، بل يترك الباب مواربًا أمام الضوء كاختيار أخلاقي.

إن قوة هذا العمل تكمن في أنه لا يفرض تأويلًا واحدًا، بل يفتح النص على قراءات متعددة: اجتماعية، فلسفية، ووجودية. وبهذا يؤكد بومدين أصيل بشراير حضوره ككاتب يمتلك حسًّا مسرحيًا ناضجًا، وقدرة على تطويع الرمز دون أن يفقد حرارة التجربة الإنسانية. «المنجم» ليس نصًا يُقرأ فقط، بل تجربة تُعاش، وتستدعي المتلقي ليكون شريكًا في مواجهة السؤال الأكبر: من أين يأتي الضوء حين يشتد الظلام

هكذا قدمت لكم ما رأيت وشعرت في اكتشاف جديد في عالمنا العربي واليكم هذا النص القطعة الفنيه الاصيلة

المنجم

مونودراما

الديكور
• جدار صدري ذو ملامس متآكلة، عالق به غبار وفحم
• صخور متفاوتة الأحجام
• دعامات حديدية
• مصباح قديم متدلٍ من الأعلى
• خوذة عامل منجم
• أنابيب منظورة

أبعاد الشخصية
• السن: 45 عامًا
• المظهر: شعر كثيف، أسمر الوجه، متعب، لحية طويلة
• الحالة الجسدية: مُجهد
• الحالة النفسية: مصابي
• الحالة العائلية: أعزب

المشهد الأول: الهبوط إلى العتمة

إضاءة خافتة من الأعلى كأنها بقايا ضوء تُدفع إلى ظلال المنجم.
يظهر الممثل بملابس متسخة، آثار تراب وفحم على وجهه ويديه، في يده مصباح قديم.
يتقدم بخطوات بطيئة وثقيلة نحو منتصف الخشبة.
يُسمع صوت قطرات ماء من بعيد.

صمت.
أنفاسه تملأ الفراغ.

الممثل (بصوت متهدج):
هنا…
مرة أخرى…
أهذا قبر؟
أم رحمٌ من حجر؟

يضحك ضحكة ساخرة.
يراقب الضوء الضعيف أمامه.

الممثل:
هواء…
هل يوجد هواء في هذا القبر؟

يرفع رأسه فجأة.
ينظر إلى الأعلى.

الممثل:
السماء؟
هل ما زالت هناك سماء؟

يتقدم خطوة.
ينظر مباشرة إلى الجمهور.

الممثل (اتهامي):
أنتم هناك…
في مقاعدكم المضيئة…
هل تعرفون كيف يُسحق الإنسان؟

ضحكة سوداء.
صمت طويل.

المشهد الثاني: سخرية الفحم

إضاءة داكنة تميل إلى الأزرق والأسود.
يخرج قطعة فحم صغيرة من جيبه، يتأملها.

الممثل:
هذا…
لا يكذب.
لا يساوم.
لا يبتسم.

يرفع الفحم أمام وجهه كأنه يعلّم درسًا.

الممثل:
الفحم أوفى من البشر…
حين يحترق…
يعطي دفئًا.

يقلد صوت مدير المنجم.

صوت مقلَّد:
«اعمل أكثر…
ستحصل على مكافأة».

الممثل (ساخر):
مكافأة؟
هذا الجرح في يدي…
كان مكافأتي.

يصمت.
ثم فجأة:

الممثل (صارخ):
أنا إنسان!
لست مجرد قطعة فحم!

يرمي الفحم بعيدًا.

المشهد الثالث: الجرد في المنجم

أصوات صرير في الخلفية.
إضاءة تتحرك أفقيًا كأنها مصباح يترنح.

الممثل (مرتبك):
هل سمعتم؟
الجدران…
تتنفس.

يضحك ثم يتوقف فجأة.

الممثل:
حتى الجدران أوفى من البشر.

يرسم دوائر على الأرض بإصبعه.

الممثل (بنبرة حكاية):
قالوا يومًا…
إن الجدران تحفظ الأسرار…
لكنها تأكلنا ببطء.

المشهد الرابع: حديث مع الصخر

ضوء بارد رمادي مائل للأزرق.
يجلس، يضع يده على الصخرة بجانبه.

الممثل:
لا تخونين…
لا تهربين…
صامتة…
لكنكِ ثابتة.

ينهض ببطء.

الممثل:
لماذا نتنفس دائمًا إلى الأسفل؟
لماذا لا نرفع رؤوسنا؟

صمت.
نظرة فلسفية إلى الجمهور.

المشهد الخامس: الانهيار

أصوات انهيار، حجارة تتساقط.
إضاءة وامضة حمراء.

الممثل (مذعور):
الصخور تنهار!
الأرض تبتلعني!

يسقط على ركبتيه.

الممثل:
أهذه نهايتي؟
أم بداية موتٍ آخر؟

ضحكة هستيرية وسط الضجيج.

المشهد السادس: بعد الانهيار (الخاتمة)

صمت.
إضاءة تهدأ تدريجيًا.
ضوء صغير يظهر على وجهه.

الممثل (بهدوء):
اسمعوا…
هذا الهدوء.

ينهض ببطء.
يرى شقًا صغيرًا من الضوء.

الممثل:
ليس وعدًا من السماء…
بل قرار من القلب.

يتقدم نحو الضوء.

الصوت الأخير (يتردد):
«المنجم لم يكن سجني…
بل مرآتي».

ظلام.

شاهد أيضاً

أسامة شرشر يكتب: أتوقع ضربة عسكرية أمريكية لإيران إذا فشلت المفاوضات الحالية

أسامة شرشر يكتب: أتوقع ضربة عسكرية أمريكية لإيران إذا فشلت المفاوضات الحالية لا شك أن …