اخبار عاجلة

ناصر عبدالحفيظ يكتب المسرح المصري القديم: الجذور المنسية لأول خشبة مسرحية

 

ناصر عبدالحفيظ يكتب

المسرح المصري القديم: الجذور المنسية لأول خشبة مسرحية

بينما ينسب كثيرون نشأة فن المسرح إلى الحضارة الإغريقية، تكشف البرديات والنقوش والجدران في المعابد المصرية عن حقيقة تاريخية مدهشة:
المصريون القدماء عرفوا الدراما، وكتبوا الحوار، ومارسوا العرض الحي، قبل ظهور المسارح اليونانية بآلاف السنين.

لم يكن ذلك في صورة ترفيه عابر، بل في إطار منظومة فكرية وروحية وسياسية متكاملة، جعلت من المسرح أداة لفهم الكون، وتنظيم المجتمع، وحفظ التوازن الكوني.

المسرح كطقس مقدس… لا كوسيلة ترفيه

في مصر القديمة، لم يكن المسرح فعل تسلية، بل طقسًا مقدسًا.
كان المصري القديم يؤمن أن تمثيل قصة الخلق، أو صراع الخير والشر، أو انتصار النظام على الفوضى، ليس محاكاة رمزية فحسب، بل فعلًا مؤثرًا في الواقع ذاته.

الدراما، في هذا السياق، لم تكن انعكاسًا للعالم، بل وسيلة لإعادة ضبطه رمزيًا.
ولهذا ارتبط العرض المسرحي بالمعبد، وبالاحتفالات الملكية، وبالمواسم الدينية الكبرى، حيث يلتقي الفن بالعقيدة، والجمال بالمعنى.

نصوص سبقت الزمان: من «بردية الرمسيوم» إلى «لوحة شباكا»

تُعد بردية الرمسيوم الدرامية (نحو 1980 ق.م) أقدم نص مسرحي معروف في التاريخ.
وهي لا تقدم سردًا أسطوريًا فقط، بل تتضمن:
• حوارًا مكتوبًا
• تحديدًا واضحًا للأدوار
• إشارات حركية وأدائية

ما يجعلها المنبع الحقيقي والرافد الأصيل لمفهوم السيناريو المسرحي في صورته الأولى.

أما لوحة شباكا، فهي تمثل ما يُعرف بـ«دراما منف»، وهي نص فلسفي عميق يصوّر صراع القوى الكونية، ويذهب عدد من الباحثين إلى اعتبارها أقدم أشكال المسرح الذهني والفلسفي في تاريخ الإنسانية.

وما سيظهر لاحقًا في المسرح الإغريقي بوصفه ابتكارًا، كان في مصر ممارسة راسخة، مكتملة الأبعاد الدينية والفكرية والرمزية.

السينوغرافيا والأداء: منظومة عرض متكاملة

لم يقتصر الإبداع المصري القديم على النص، بل امتد إلى عناصر العرض كافة، في منظومة مسرحية متقدمة:
• الأقنعة: استخدم الكهنة والممثلون أقنعة تمثل رؤوس الآلهة، مثل قناع الإله أنوبيس، لتجسيد القوى الإلهية بصريًا وتقريبها من وعي الجمهور.
• المكان: كانت أفنية المعابد الكبرى، مثل معبد إدفو وأبيدوس، بمثابة خشبات عرض طبيعية، قادرة على استيعاب آلاف المشاهدين.
• الجوقة (الكوراس): عرفت العروض المصرية جماعات من المنشدين يعلّقون على الأحداث ويشرحون دلالاتها الرمزية، وهو العنصر الذي سينتقل لاحقًا إلى المسرح الإغريقي بوصفه أحد أعمدته الأساسية.

«أسطورة أوزيريس»: المسرحية الشعبية الأضخم في التاريخ القديم

في مدينة أبيدوس، كان يُقام عرض مسرحي سنوي ضخم، تشارك فيه فئات المجتمع كافة:
الكهنة، والجيش، والعامة، والملك.

يمثل هذا العرض قصة مقتل الإله أوزيريس على يد ست، ثم بعثه وعودته للحياة.
ولم يكن العرض مجرد تمثيل، بل ملحمة شعبية جماعية يذوب فيها الحد الفاصل بين الممثل والمتفرج، ويتحوّل فيها المجتمع بأكمله إلى جزء من الفعل الدرامي.

إنه مسرح المشاركة، لا المشاهدة فقط، وهو مفهوم لم تعرفه المسارح الكلاسيكية إلا بعد قرون طويلة.

الخاتمة: من النيل خرجت الدراما إلى العالم

إن المسرح المصري القديم كان مسرحًا احتفاليًا طقسيًا، سبق زمانه، ووضع الأسس الأولى لفنون:
• الصراع الدرامي
• الحوار
• البناء الرمزي
• العرض الجماعي

وحين نقف اليوم أمام معبد إدفو، أو نتأمل بردية درامية، فنحن لا ننظر إلى أثر صامت، بل إلى شهادة ميلاد الفن المسرحي الذي ألهم البشرية عبر العصور.

لماذا أكتب هذا الآن؟

أكتب هذا لأنني، خلال جولاتي بعروض فرقة المسرح المصري، أجد جدارًا عازلًا في ذهن بعض الأساتذة والزملاء، يمنعهم من رؤية جماليات الإبداع المسرحي في مصر القديمة، ويوقفهم عند حدود الإغريق وما تلاهم من تظاهرات مسرحية يُعاد تكرار الحديث عنها بلا مساءلة.

يقف العقل المسرحي العربي عند هذا الحاجز الذهني، فيعجز عن رؤية ما هو أبعد منه، ويمنع نفسه من متعة قراءة نصوص كتاب الموتى، سواء المكتشف حديثًا أو المعروف قديمًا، بل إن بعضهم يُقصي هذا التراث تحت ذريعة «فرعنة» كل ما هو مصري.

وهكذا تُفقد روح البحث متعتها، وتُغلق أبواب التأمل في روحانيات وجماليات الإبداع المصري القديم، ذلك الإبداع الذي آمن بالله، وبالبعث، وبالخلود.

ومن هذا الإيمان، ومن هذا الجذر، ننطلق اليوم — أنا وفرقة المسرح المصري — في الاستعداد لأول فيلم يعتمد على الذكاء الاصطناعي بعنوان:
«أبناء النور»، بوصفه محاولة معاصرة لإعادة وصل ما انقطع، وبعث ما أُهمل، واستكمال مسيرة بدأت على ضفاف النيل… ولم تنتهِ بعد.

شاهد أيضاً

“الطوق والإسورة” تتألق في “أهلاً بمهرجان المسرح العربي”.. والليلة عرض مصور ل “رحلة النهار” الإماراتي

    كتبت: أسماء عفيفى   في ثاني ليالي برنامج “أهلاً بمهرجان المسرح العربي”، الذي …