انعقدت الدورة الثالتة للمونديال المغاربي للمونودراما, كانت فرق مسرح من ليييا وتونس والجزائر ومصر حاضرة بعروضها المسرحية, لم تختلف العروض كثيرا فقد تقاربت المواضيع والاشكال والالوان, كانت الهموم متقاربة, ان لم تكن واحدة, هموم الاوطان والشعوب, هموم الانسان الفرد المطحون, الذي يعاني العزلة والقمع وغياب الامل في غد افضل, فهذا الوطن الممتد من الاطلسي الى البحر الاحمر يحتله اليأس والرعب والموت .
في اجواء ” المونودراما ” حيث الفرد الوحيد, الخائف والحزين, وحيث المسرح طقس لنزيف الروح, حيث يتلاشى التاريخ, وتضيع الجرافيا ويظهر الانسان معلقا من لسانه فوق خرائب الاوطان, حيث تصمت اغاني الاعراس وتقرع طبول الجنائز, لا مشهد يدعو للتفاؤل في ” مونودراما ” عصرنا القاسي .
كان المسرح قد بدأ مسيرته ” مونودراما ” بممثل واحد, بفرد على خشبة فارغة يتلو تراتيله متضرعا لوتن قاس وشره لدماءء عباده, لتتعدد اصواته, ويتعدد ابطاله زمن ديمقراطية ” اثينا ” وتولد ” دراما ” الاصوات المتعددة لتغيب ” المونودراما ” وتحضر مسرحية التعدد ومقارعة الوتن .
كانت المونودراما نتاج مجتمع الصوت الواحد, مسرح الانسان الوحيد الخائف, الضعيف والمعزول, الذي لايجرؤ على الحلم, ولا يستطيع تخيل الغد, ولايعرف الطمأنينة والكرامة منذ صرخة الولادة وحتى صمت القبر.
” المونودراما ” او مسرحية الفرد المعزول والوحيد, عادت بقوة في عصرنا الحديث مع هيمنة سيادة راس المال, والاضطهاد وفقدان الانسان لانسانيته وتحوله الى سلعة تستهلك سلعا اخرى, عادت بعد حروب عالمية مدمرة لمشروع الوجود البشري الهش, عادت اثر هيمنة الاحساس بلاجدوى الوجود الفردي وحتى الانساني العام .
كانت المدافع والصواريخ, كان الجوع والقهر الهة الدم الجديدة التي اخذت تعبت بمصير هذا الكائن الضئيل المطحون وتخرج ” مونودراما ” العصر الحديث .
في مدينة البيضاء الليبية,انطلقت مونودراما هذا الوطن, الممتد من البحر الى البحر كما يقول ” مظفر النواب ” , من الجزائر وتونس وليبيا ومصر,لتقول حال هذا الانسان, الوحيد الهش المدمر, حيث لا امل ولاشيء تبقى لنا الا نتف من كيانات ومن بشر, حيث لم نعد الا ذرات في زوبعة ” الشرق الاوسط الجديد “,محكومون بالتشظي, والتفتت والتلاشي .
منذ العرض المونودرامي الاول وحتى اخر عروض مهرجان البيضاء, لم يكن ثمة غير هذا الفرد الضائع والمحبط المطحون, وهو يصارع الارهاب والقمع وفقدان كل شيء, فقدان الارض والعرض ومبرر الوجود .
يضيع الكلام, تتثاقل الحركة, تنتفض الاجساد كذبائح في يوم موت عظيم ويسود الظلام, ظلام اوطان صارت قبورا .
يحضر الاحياء اطياف موتى, ويحضر الموتى وهم يغنون زمنا كان جميلا كما يتوهمون ونتوهم معهم .
تغني التونسية بفرنسية حارة ” احبك كمجنون او كجندي او نجم سينما ” وتغني الليبية بلهجة لبنانية ” حبيتك تانسيت النوم ” وترقص الجزائرية على ركام احلام ميتة .
يغني الليبي ” ماليش غيرك ” و ترقص الدمى الصغيرة وتتوج مصر حفلة المونودراما بحضور ” الست ” واطلال احلامنا وطموحاتنا
الجبل الاخضر وقورينا ورويفع الانصاري وعمر المختار و ومرقص وانجيله, وانا وطرابلس وصورة تحت جسر الكوف القديم, وغزالة تهرب مني, وامريكا وروسيا ومصر والامارات وقطر, شظايا من كل شيء, مونودراما تكتبنا وتقودنا نحو الموت والميلاد .
كيف للفن ان يضعنا امام مصيرنا ؟ وكيف للمسرح ان يجعلنا نصيغ سؤالنا من جديد “نكون او لانكون, تلك ليست هي المسألة, كيف نكون ؟ تلك هي المسألة .
في البيضاء وفي مهرجان ” المونديال المغاربي للمونودراما ” كنت ورغم الزحام وحيدا, كنت اعيش “المونودراما ” متشظيا ووحيدا كوطن محتل, فلا ” وصل بليلى كما اشتهيت ” .
في البيضاء كان المسرح يتأتي ” انتبهوا ” وكانت البيضاء قلبا كبيرا يفيض حبا والما وحزنا,واكان المسرح معلما وان فقد الطبشور والسبورة .
بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ