اخبار عاجلة

عبيد البلوشي… يغنّي من أجل الآتي عندما يكون الفن رسالة

عبيد البلوشي… يغنّي من أجل الآتي عندما يكون الفن رسالة

في فيديو لا تتجاوز مدته دقيقتين وثانيتين، لا نقف أمام أداء تقليدي لأغنية «من أجل الآتي»، بل أمام حالة توهّج وجداني تتجاوز مفهوم الغناء إلى مساحة أرحب من التأثير والمعنى. لحظة مكثفة، لكنها ممتدة الأثر.

الفنان الشاب عبيد البلوشي، وبإشراف المنتج نصر الغافري، لم يكتفِ بتقديم عمل غنائي، بل أعاد اكتشاف مساحات صوته — تلك العطية الربانية — ومنحها أبعادًا شعورية ما كان لها أن تتجلى لولا تلك البُحّة الصادقة والعُرَب المدروسة التي صاغ بها الأداء بعناية ووعي.

المدهش في أداء البلوشي هو انتقاله السلس بين “الهمس التحفيزي” و“الجهر الحاسم” دون أي تكلف أو افتعال، وكأن الصوت يعرف طريقه إلى القلب دون أن يستأذن.

في البداية الهادئة، يدخل أول الأغنية بصوت مطمئن هادئ، كأنه يهمس في أذن كل عُماني: «من أجل الآتي»… نبرة واثقة لا تصرخ، لكنها تُقنع. لا تستعرض قوتها، بل تمارس تأثيرها بهدوء الواثقين.

وعند السؤال المحوري: «ما دورك في التحسين؟»، يرتفع الصوت قليلًا، لا بوصفه استعراضًا طبقيًا، بل بوصفه إيقاظًا للضمير. ثم يعود إلى طبقة القرار في عبارة «أخطاء ستعلمنا»، فيخلق توازنًا دقيقًا بين التحدي والاحتواء، بين الحزم والحنان.

هذا التلاعب الواعي بالطبقات هو سرّ الدهشة التي تصيب المستمع؛ دهشة لا تنبع من الإبهار التقني، بل من صدق داخلي يصل قبل أن يُحلَّل.

عبقرية الكلمة… رسالة إبداعية لا إرشادية

الأعمال المرتبطة بالرؤى الوطنية غالبًا ما تميل إلى الخطابية، لكن هذا العمل — المرتبط بسياق رؤية عمان 2040 — جاء شاعرية وإنسانية، قابلة للتبني الفردي قبل الجماعي.

في كسر المثالية، كلمات مثل «عثرات» و«أخطاء» لم تُطرح كاعتراف بالضعف، بل كجزء أصيل من رحلة النضج. نطقها البلوشي بنبرة تصالحية، وكأنه يربّت على كتف المستمع قائلًا: لا بأس… تعلّم وامضِ. لا مثالية مصطنعة، بل واقعية مضيئة.

أما في عبارة «اسأل نفسك واطرح سين»، فيتحول الحرف إلى إيقاع فكري. وضوح مخارج الحروف منح حرف السين صفيرًا خفيفًا، أشبه بإشارة انطلاق؛ سؤال يبدأ به سباق التحسين، لا بوصفه عبئًا، بل بوصفه فرصة.

حالة انسجام بلا افتعال

رغم ارتباط العمل بسياق تنموي ورسمي، فإن البلوشي لم يتحول إلى صوت جامد أو خطاب مباشر. ظل صوته “أخوياً”، قريبًا من الشارع لا من المنصة فقط، ومن الإنسان لا من الشعار.

وعند قوله: «ما نفعله ليس بحلم أو تنظير»، جاءت النبرة حازمة، قاطعة، كأنها شهادة ميدانية لا جملة غنائية. هنا تتحقق المعادلة الصعبة: أن تخدم الرؤية… دون أن تفقد روح الفن.

اللمسة الإنتاجية… حين تتراجع الموسيقى احترامًا للصوت

إشراف نصر الغافري لم يكن مجرد تنظيم فني، بل رؤية توزيعٍ موسيقي ذكي.

الموسيقى لم تتزاحم مع الصوت، بل شكّلت خلفية محفزة، وتركت المساحة الأكبر للكلمة والحنجرة لتقول ما تريد دون ضجيج.

هذا الاقتصاد في التوزيع جعل التركيز ينصب على الرسالة وعلى صدق الأداء بنسبة تكاد تبلغ الكمال؛ حيث تتراجع الآلات خطوة، ليتقدم المعنى خطوتين.

الأغنية التي شاهدناها في «من أجل الآتي» ليست مجرد عمل فني عابر، بل تجربة وجدانية تؤكد أن الفن، حين يتحد مع الإيمان بالقضية، يصنع أثرًا لا يُنسى.

عبيد البلوشي لم يقدّم أغنية فحسب… بل قدّم طاقة صوتية تشحن الهمم، وتحوّل السؤال إلى فعل، والحلم إلى خطوة، والرؤية إلى ممارسة يومية.

لقد أثبت أن الفنان ليس صدىً للرؤية فحسب،

بل بوصلةٌ لها… تشير دائمًا نحو الآتي

شاهد أيضاً

خبير القانون الدولي السوري رانيا مروان : كتاب انا و ياسرعرفات تجسيد حي لدور النضال والمقاومة العربية ضد الاحتلال

خبير القانون الدولي السوري  رانيا مروان : كتاب انا و ياسرعرفات تجسيد حي لدور النضال …