اخبار عاجلة

بين الإيقاع والدراما: كيف أعادت مي مصطفى صياغة مفهوم الأداء الغنائي في “شنطة”؟

بين الإيقاع والدراما: كيف أعادت مي مصطفى صياغة مفهوم الأداء الغنائي في “شنطة”؟

في المشهد الموسيقي الحالي، قلّما نجد عملًا يمتلك القدرة على خطف الانتباه من الثانية الأولى. لكن أغنية شنطة للفنانة مي مصطفى لم تكن مجرد لحن عابر، بل كانت حالة فنية مكتملة الأركان؛ بدأت بفضول عابر، وانتهت برحلة استكشاف شاملة لبقية أعمالها.

تظهر مي مصطفى في الفيديو بكاريزما طاغية؛ خلفية سوداء صامتة تترك المساحة كاملة لحضورها، وكأن الفراغ ذاته يخدم الفكرة. بقلنسوتها الزرقاء وحركات يدها التي تستعير من إيماءات الراب صرامتها، وتمنحها روحًا مسرحية خاصة، صنعت هوية بصرية غامضة وجذابة. لم تكن مجرد مؤدية أمام كاميرا، بل قائدة للمشهد، تتحكم في الإيقاع البصري كما تتحكم في النغمة، وتوجّه عين المستمع وأذنه نحو كل كلمة تنطق بها.

ما دفعني حقًا للاستماع إلى بقية أعمالها كان ذلك التوظيف الذكي لطبقات صوتها. مي لا تغني بنبرة واحدة؛ إنها تنحت بالصوت كما لو كان مادة خامًا بين يديها. تمتلك بحّة درامية تحمل خشونة محببة تمنح الكلمات ثقلًا وواقعية، وتحوّل الجملة البسيطة إلى موقف. في “شنطة” تحديدًا، لا تكتفي بضبط مخارج الحروف، بل تمثل الحالة الشعورية لكل مقطع؛ تارة تتسلل الثقة المفرطة عبر نبرتها، وتارة تلوح سخرية ذكية في أطراف الجملة، فيبدو الأداء أقرب إلى مونولوج مسرحي مكثف منه إلى أغنية تقليدية.

أما على مستوى الإيقاع، فقد أظهرت تحكمًا واضحًا في الـFlow، محافظة على النفس والثبات الصوتي وسط إيقاعات سريعة ومتغيرة. هذا الاتزان بين السرعة والدقة يعكس تمرينًا حقيقيًا وقدرة واعية على الإمساك بالتيمبو دون أن تفقد حرارة الأداء أو عفويته.

“شنطة جوا شنطة مليت حنان وبوزعه..”

جملة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل طابعًا سرياليًا خفيف الظل، يجمع بين مفردات الشارع ومعانٍ أعمق عن العطاء والاعتداد بالنفس. هذا التناقض بين بساطة اللفظ وقوة الأداء هو ما خلق لديّ ذلك الفضول: كيف يمكن لكلمات يومية أن تتحول إلى جمل موسيقية أيقونية؟ السر، كما بدا لي، لا يكمن في التعقيد اللغوي، بل في الصدق والتلوين الصوتي الذي يمنح كل كلمة بعدًا إضافيًا.

كانت الأغنية بمثابة المفتاح. ما إن انتهت حتى وجدت نفسي مدفوعًا لاكتشاف عالمها الفني الأوسع. هناك أدركت أن مي مصطفى لا تتبع تيارًا موسيقيًا محددًا بقدر ما تصنع تيارها الخاص، تمزج فيه بين الراب، والكلام الملحن (Spoken Word)، والدراما الشعبية بروح معاصرة. إنها تراهن على الصدق الفني وقوة الحضور أكثر من مراهنتها على الإبهار الإنتاجي الزائف.

في النهاية، لم تكن “شنطة” مجرد تريند رقمي عابر، بل درسًا في كيف يمكن للصوت والأداء الحركي أن يصنعا عالمًا كاملًا من العدم. أثبتت مي مصطفى أن الشخصية الفنية (Persona) هي المحرك الحقيقي للنجاح، وأن الصوت حين يتلوّن بالمشاعر، يصبح أقوى من أي آلة موسيقية

شاهد أيضاً

ناصر عبدالحفيظ يكتب المسرح المصري القديم: الجذور المنسية لأول خشبة مسرحية

  ناصر عبدالحفيظ يكتب المسرح المصري القديم: الجذور المنسية لأول خشبة مسرحية بينما ينسب كثيرون …