
توم وجيري… جذورهما في الفن المصري القديم
ناصر عبدالحفيظ يكتب: العالم المقلوب في عيون المصري القديم
سخرية ذكية… وإيمان عميق بالعدل الكوني
حين نتأمل فن «الأوستراكا» ورسوم «العالم المقلوب» التي خرجت من رحم قرية دير المدينة، لا ينبغي أن نتوقف عند السخرية بوصفها نقيضاً للإيمان، بل باعتبارها إحدى أدوات الوعي. فالمصري القديم لم يكن إنساناً ساذجاً أو معزولاً عن إدراك الخلل والظلم، بل كان شديد الحساسية تجاه اختلال الميزان؛ ذلك الميزان الذي آمن أنه جوهر انتظام الكون والحياة.
في هذه الرسوم، حيث يجلس الفأر على مقعد النخبة، يحمل كأس الشراب، بينما يخدمه القط، لا نرى مجرد نكتة بصرية، بل رسالة أخلاقية عميقة: حين تنقلب الأدوار، وحين يختل العدل، يصبح العالم مقلوباً. هذه الفكرة، في جوهرها، ليست هزلية، بل إيمانية؛ لأنها تنطلق من يقين راسخ بأن للكون نظاماً، وأن أي انحراف عنه ليس إلا حالة مؤقتة وزائلة.
السخرية كوسيلة
ابتعد المصري القديم في هذا الفن عن الطقوس الجنائزية والرسميات الصارمة، لكنه لم يبتعد عن القيم. على العكس، لجأ إلى السخرية بوصفها صيغة آمنة للتعبير عن القلق الأخلاقي والاجتماعي. ولأنه لم يكن يملك رفاهية المواجهة المباشرة، اختار الرمز؛ فالحيوان هنا ليس إلهاً ولا بديلاً عن الإنسان، بل قناع فني يخفي خلفه خطاباً واضحاً:
القوة بلا عدل تفرغ من معناها، والسلطة حين تنفصل عن المسؤولية تصبح مثار تهكم.
إن فكرة «العالم المقلوب» لا تعني قبول الفوضى، بل فضحها. وهي تنبع من إيمان داخلي بأن الأصل هو الاستقامة، وأن ما نراه من ظلم أو عبث ليس القاعدة بل الاستثناء. لذلك تضحك هذه الرسوم بمرارة، وتبتسم وفي خلفية ابتسامتها سؤال أخلاقي كبير.
دير المدينة: وعي العامل… لا فلسفة القصور
ليس مصادفة أن يخرج هذا الفن من دير المدينة، قرية العمال والفنانين الذين شيدوا مقابر الملوك. هؤلاء لم يكونوا عامة بسطاء، بل كانوا متعلمين، يقرأون ويكتبون، ويدركون معنى النظام والمسؤولية. كانوا يؤدون عملهم بوصفه واجباً أخلاقياً قبل أن يكون وظيفة؛ حفروا في الصخر وهم يؤمنون أن العمل المتقن جزء من أداء الدور في هذا العالم.
في أوقات فراغهم، استخدموا شظايا الحجر والفخار كمساحة حرة للتفكير، تماماً كما نستخدم اليوم الورق أو الشاشات. فكانت «الأوستراكا» مرآة لضمير حي، لا يسخر من أجل السخرية، بل ليحمي إيمانه بالعدل من الانكسار.
الإيمان بالواحد… من خلال النظام
بعيداً عن اختزال تاريخ المصريين القدماء في تعدد الأسماء والطقوس، يكشف هذا الفن عن إيمان أعمق: إيمان بوحدة النظام الكوني، وبأن للكون رباطاً أخلاقياً واحداً يحكمه. فكرة الميزان، والاستقامة، والحساب، لم تكن شعارات، بل قناعات راسخة. لذلك كان المصري القديم يرفض الظلم حتى في الرسم، ويعريه بالسخرية.
حين نرى الأسد يلعب «السنت» مع الغزال، أو الفأر يقود جيشاً، نفهم الرسالة:
القوة وحدها لا تمنح الحق، والذكاء والعدل قد يتقدمان على البطش.
إنها رؤية إيمانية في جوهرها، تؤمن بأن التفاضل ليس بالقوة ولا بالمكانة، بل بالفعل والميزان.
خلاصة القول
فن «العالم المقلوب» ليس انحرافاً عن الإيمان، بل أحد أشكاله. هو احتجاج صامت، وسؤال ذكي، وضحكة تحمل في طياتها يقيناً بأن للكون إلهاً واحداً، ونظاماً واحداً، وأن أي خلل لا بد أن يُكشف… ولو بريشة ساخرة على قطعة حجر صغيرة.
هكذا كان المصري القديم:
يعمل… ويؤمن… ويسخر.
أبرز النماذج الأصلية وأماكن تواجدها حالياً:
1. أوستراكا «القط يخدم الفأر» (الأصل التاريخي لتوم وجيري)
تصور فأراً نبيلاً يجلس على مقعد وثير، بينما يقوم القط بدور الخادم الذي يحمل المذبة ويقدم الطعام والشراب.
الموقع الحالي: متحف بروكلين (نيويورك)، ونسخة أخرى بالمتحف المصري بالتحرير.
2. بردية لندن الساخرة (British Museum Papyrus)
تضم مشاهد مثل:
• الأسد والغزال يلعبان «السنت».
• أوركسترا الحيوانات.
الموقع الحالي: المتحف البريطاني – لندن.
3. أوستراكا «القط يرعى الإوز»
الموقع الحالي: المتحف المصري بالتحرير.
4. أوستراكا «الفأر القائد»
الموقع الحالي: المتحف المصري بالتحرير، ومتحف تورينو (Museo Egizio).
متاحف أخرى تضم مجموعات هامة:
المتروبوليتان – اللوفر – متحف تورينو.
ملاحظة تاريخية: معظم هذه القطع عُثر عليها في قرية دير المدينة بالأقصر، موطن الوعي الفني والاحتجاج

بوابة الأخبار العربية تأسست وكالة A N G عام 2009 على يد الفنان والكاتب الصحفي ناصر عبد الحفيظ